السفارة الأمريكية تتراجع عن وصف المسيحيين بـ"الأقلية" بعد غضب الكنسية
أثار بيان صادر عن السفارة الأمريكية في القاهرة موجة واسعة من الغضب، بعدما وصف المسيحيين في مصر بـ"الأقلية"، وهو المصطلح الذي اعتبره كثيرون، وفي مقدمتهم شخصيات كنسية ومثقفون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، مخالفًا للثوابت الوطنية التي تؤكد أن المصريين، مسلمين ومسيحيين، يشكلون نسيجًا وطنيًا واحدًا لا يقوم على مفهوم الأغلبية والأقلية.
وجاء الجدل بعدما نشرت السفارة بيانًا بشأن لقاء القائم بالأعمال الأمريكي روبرت سيلفرمان مع البابا تواضروس الثاني، قالت فيه إن اللقاء تناول "التحسن في أوضاع الأقلية المسيحية في مصر"، قبل أن تقوم بحذف البيان لاحقًا ونشر نسخة معدلة أزالت منها عبارة "الأقلية المسيحية"، واكتفت بالإشارة إلى مناقشة "أوضاع المسيحيين في مصر".
لماذا أثار وصف "الأقلية" هذا الغضب؟
لا يرتبط الاعتراض في مصر بحجم الأقباط العددي بقدر ما يرتبط بالدلالة السياسية والقانونية لمصطلح "الأقلية"، إذ ترى الكنيسة المصرية، ومعها قطاعات واسعة من المجتمع، أن هذا الوصف يحمل إيحاءات بوجود جماعة منفصلة عن الكيان الوطني تحتاج إلى حماية أو وصاية خارجية، وهو ما ترفضه الكنيسة بصورة متكررة.
فعلى مدار عقود، تمسك البابا الراحل شنودة الثالث، ثم البابا تواضروس الثاني من بعده، بالتأكيد على أن أقباط مصر ليسوا أقلية، بل مواطنون مصريون أصيلون سبق وجودهم الدولة الحديثة نفسها، ويتمتعون بالحقوق والواجبات ذاتها التي يتمتع بها جميع المصريين، وأن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين تقوم على مبدأ المواطنة لا التصنيف الديني.
كما تخشى الكنيسة من أن يؤدي استخدام هذا المصطلح إلى فتح الباب أمام تدويل أو تسييس الملف القبطي، وربطه بخطابات حماية الأقليات التي كثيرًا ما استُخدمت في أزمات إقليمية ودولية، وهو ما تعتبره المؤسسة الكنسية مساسًا بالسيادة المصرية وبطبيعة الدولة الوطنية.
تراجع السفارة بعد موجة الانتقادات
وأمام الانتقادات الواسعة، سارعت السفارة الأمريكية إلى حذف البيان الأول واستبداله بآخر خالٍ من وصف المسيحيين بـ"الأقلية". في خطوة اعتبرها كثيرون استجابة مباشرة لحالة الرفض الشعبي التي صاحبت البيان الأول.
لكن التعديل لم ينه الجدل بالكامل،د. إذ واصل كثير من المعلقين انتقاد ما وصفوه بمحاولة فرض توصيفات لا تعبر عن الواقع المصري. معتبرين أن المصريين، بغض النظر عن دياناتهم، لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أغلبية وأقلية، وإنما مواطنين تجمعهم هوية وطنية واحدة.
جدل آخر بشأن الحج إلى القدس
ولم يقتصر الجدل على مصطلح "الأقلية". إذ أثار البيان أيضًا اهتمامًا بسبب إشارته إلى أن القائم بالأعمال الأمريكي أعرب عن شكره للبابا تواضروس الثاني. على استئناف رحلات الحج إلى القدس.
ورأى بعض المتابعين أن إبراز هذه النقطة في بيان رسمي يحمل دلالات سياسية، خاصة أن الكنيسة القبطية كانت تاريخيًا. في عهد البابا شنودة الثالث، ترفض تنظيم رحلات الحج إلى القدس قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة. بينما شهدت السنوات الأخيرة تغيرًا في آليات التعامل مع هذا الملف.
