في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتحديات التمويل الخارجي، تتجه التوقعات داخل دوائر الاستثمار الدولية إلى أن البنك المركزي المصري لن يتعجل خفض أسعار الفائدة، قبل أن يتراجع التضخم إلى مستويات أقل من 10%، في محاولة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب وضمان استمرار تدفق النقد الأجنبي.
وتأتي هذه التقديرات في وقت تواجه فيه مصر معادلة اقتصادية معقدة، تجمع بين الحاجة إلى استقرار سعر الصرف، وتمويل عجز الحساب الجاري، ومواجهة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، وهو ما يجعل السياسة النقدية أكثر ميلاً للتحفظ في المرحلة الحالية.
تثبيت الفائدة.. أولوية الاستقرار على حساب التيسير النقدي
ترى علياء مبيض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار “جيفريز”، أن البنك المركزي المصري سيبقي على معدل الفائدة الحقيقي – أي الفارق بين سعر الفائدة والتضخم – في حدود إيجابية تقارب 4%، باعتباره أداة أساسية للحفاظ على تدفقات الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية.
وبحسب هذا التوجه، فإن الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لا يرتبط فقط بمستويات التضخم، بل أيضاً بالحاجة إلى تعزيز جاذبية السوق المصرية مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى، في ظل استمرار اعتماد الدولة على التدفقات الأجنبية كمصدر رئيسي لتمويل عجز الحساب الجاري.
التضخم عند مستويات مرتفعة.. والضغوط المعيشية مستمرة
ورغم بعض التراجع النسبي في معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن الأسعار لا تزال تتحرك عند مستويات مرتفعة، إذ سجل التضخم نحو 14.6% في مايو، بعد أن بلغ 15.2% في الشهر السابق، وهو ما يعكس تباطؤاً محدوداً لا ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية.
وفي هذا السياق، يشير خبراء إلى أن تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة – رغم أهميته في دعم الاستقرار النقدي – يساهم في استمرار الضغط على تكاليف التمويل داخل الاقتصاد، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
فائدة مرتفعة.. وتأثير ممتد على الأسعار والمعيشة
اقتصادياً، يؤدي الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة إلى عدة آثار متشابكة، أبرزها استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض على الشركات، ما يدفع بعض القطاعات الإنتاجية إلى تحميل جزء من هذه التكاليف على المستهلك النهائي.
كما يساهم ارتفاع العائد على أدوات الدين في جذب السيولة نحو الاستثمار المالي بدلاً من التوسع الإنتاجي، وهو ما يحد من نمو المعروض السلعي في الأسواق، ويُبقي الأسعار تحت ضغط مستمر.
وفي المقابل، تعتمد السياسة النقدية الحالية على الحفاظ على “فائدة حقيقية موجبة”. لضمان استقرار سوق الصرف ومنع خروج الاستثمارات الأجنبية الساخنة. وهو ما يُعد أولوية في المرحلة الراهنة رغم تكلفته الاجتماعية.
الطاقة وسعر الصرف.. الحلقة الأشد تأثيراً
تواجه مصر أيضاً تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة. خاصة مع التغيرات الجيوسياسية الأخيرة التي أثرت على إمدادات الغاز والنفط وأسعار الشحن العالمية. ما زاد من الضغط على ميزان المدفوعات.
كما أن تحركات سعر الصرف، رغم مرونتها النسبية، لا تزال تلعب دوراً محورياً في تحديد اتجاهات التضخم. حيث ينعكس أي تراجع في الجنيه مباشرة على أسعار السلع المستوردة.
