مع تراجع أسعار النفط عالميًا وعودة الإمدادات عبر مضيق هرمز، يتجدد الجدل داخل الشارع المصري حول ما إذا كانت الحكومة ستتجه إلى خفض أسعار المحروقات خلال الفترة المقبلة، أم ستكتفي بتثبيتها عند مستوياتها الحالية، في ظل التزامات مالية وضغوط دعم الطاقة.
ويأتي هذا التساؤل بعد انخفاض خام “برنت” بنحو 7% خلال يومين فقط، ليقترب من مستوى 77 دولارًا للبرميل، إلى جانب تراجع خام غرب تكساس الأمريكي دون 74 دولارًا، وسط توقعات مؤسسات مالية عالمية مثل “سيتي بنك” بمزيد من الهبوط قد يصل إلى نطاق 60–65 دولارًا للبرميل خلال الأشهر المقبلة.
تراجع النفط عالميًا… هل ينعكس على السوق المحلي؟
شهدت أسواق الطاقة العالمية موجة هبوط مدفوعة بتطورات سياسية تتعلق بإعفاءات مؤقتة للصادرات النفطية الإيرانية، ما أدى إلى توقعات بزيادة المعروض العالمي بنحو 85 مليون برميل كانت عالقة في منطقة الخليج.
هذا التراجع أعاد فتح النقاش حول آلية تسعير الوقود في مصر، التي تعتمد على معادلة تشمل سعر خام برنت عالميًا، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، بالإضافة إلى تكاليف النقل والتكرير والتوزيع.
ارتفاع سابق للأسعار وضغوط الموازنة
كانت الحكومة المصرية قد رفعت أسعار الوقود والغاز في مارس 2026 بنسب تراوحت بين 14% و30%، ضمن سلسلة زيادات خلال عام واحد، ليصل سعر بنزين 95 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار إلى 20.50 جنيهًا.
وجاءت هذه الزيادات حينها بدعوى الظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة العالمية، مع الإشارة إلى استمرار الدولة في تحمل جزء من فاتورة الدعم.
تصريحات رسمية: “إجراءات استثنائية” قابلة للمراجعة
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي كان قد وصف تلك الزيادات بأنها “إجراء استثنائي” مرتبط بالظروف العالمية، مؤكدًا أنه سيتم مراجعتها حال تراجع الضغوط الخارجية، في إشارة إلى التوترات الجيوسياسية التي دفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة تجاوزت 90 دولارًا للبرميل في فترات سابقة.
خبراء: الأسعار تقترب من مستويات ما قبل الأزمة
يرى محللون أن السوق النفطية بدأت بالفعل العودة إلى مستويات ما قبل الحرب، حيث تتراوح الأسعار قرب 72–75 دولارًا للبرميل، وهو المستوى الذي تستهدفه الموازنة العامة المصرية.
كما يشير بعض الخبراء إلى أن تحسن تدفقات النقد الأجنبي وتراجع سعر الدولار نسبيًا يعزز من استقرار تكلفة الاستيراد، ما يقلص الفجوة بين السعر العالمي والمحلي.
لماذا قد تتردد الحكومة في خفض الأسعار؟
رغم المؤشرات الإيجابية، يستبعد عدد من الخبراء اتجاه الحكومة إلى خفض أسعار الوقود في المرحلة الحالية، لعدة اعتبارات، أبرزها:
- استمرار خطة خفض دعم الطاقة تدريجيًا ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي
- الحاجة إلى تحقيق استقرار مالي في الموازنة العامة
- تجنب تقلبات سعرية متكررة في السوق المحلي
- الاعتماد على سياسة “التثبيت” كخيار أقل مخاطرة من التخفيض
كما يشير البعض إلى أن لجنة تسعير المنتجات البترولية، منذ تأسيسها عام 2019. اتجهت في أغلب قراراتها نحو الرفع أو التثبيت، مع خفض محدود جدًا لم يتجاوز مرة واحدة وبشكل طفيف.
سيناريوهات الفترة المقبلة: تثبيت أم خفض محدود؟
يتوقع خبراء الضرائب والاقتصاد أن تتجه لجنة التسعير في اجتماعها المقبل إلى تثبيت الأسعار الحالية. مع مراقبة تطورات السوق العالمية قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن أي خفض محتمل إن حدث سيكون محدودًا للغاية. ويرتبط باستقرار طويل الأجل في أسعار النفط وسعر الصرف، وليس تراجعًا مؤقتًا.
أثر اقتصادي أوسع: التضخم وأسعار الفائدة
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن انخفاض أسعار النفط عالميًا قد ينعكس إيجابًا على معدلات التضخم في مصر. ما قد يفتح الباب لاحقًا أمام سياسات نقدية أكثر مرونة، تشمل خفض أسعار الفائدة، وتحفيز الاستثمار والإنتاج.
لكن هذه المكاسب تظل مشروطة باستمرار استقرار أسعار الطاقة عالميًا وعدم حدوث تقلبات جديدة في أسواق النفط أو العملات.
