"أعطيناه ضربة الرحمة".. من يُحاسب أصحاب هذه الجملة في قضية مقتل ريجيني؟

عشر سنوات مرّت على اختفاء جوليو ريجيني في شوارع القاهرة لكن النيابة العامة الإيطالية أبت أن تطوي الملف، وجاءت مرافعتها الختامية أمام محكمة روما في 23 يونيو الماضي حاملةً تفاصيل صادمة عن ما وصفته بـ«تعذيب دولة» لا تعذيب أفراد.

محاكمة تجري غيابياً في ظل عدم حضور المتهمين، وفي مواجهة صمت مصري على 39 طلباً قانونياً لا يزال يبحث عن إجابة في قضية باتت أكبر من مجرد جريمة قتل وتحولت إلى امتحان للعدالة الدولية.

«أعطيناه ضربة الرحمة».. الجملة التي فتحت المرافعة

استهلت النيابة الإيطالية مرافعتها بعبارة قالت إنها نُقلت عن الرائد مجدي شريف، أحد المتهمين الأربعة في القضية: «أعطيناه ضربة الرحمة». ولم تعتبرها النيابة مجرد اعتراف بلحظة القتل، بل قرأت فيها «غطرسة سلطة تتباهى بإفلاتها من العقاب» — سلطة حوّلت الإنسان، بحسب وصفها، إلى «جسد يُضرب ويُكسر ثم يُنهى».

وأكدت النيابة أن ما تعرض له ريجيني لا يندرج ضمن «تعذيب خاص» بل يمثل «تعذيب دولة» لأن جوهره لا يكمن فقط في الألم الذي لحق بالضحية، بل في إساءة استخدام السلطة العامة التي يفترض أن توفر الحماية لا الإفناء.

من هو ريجيني؟.. «لم يكن جاسوساً»

حرصت النيابة على تفنيد الفرضيات التي ربطت الباحث الإيطالي بأجهزة استخبارات، مؤكدةً أن ريجيني كان طالب دكتوراه في جامعة كامبريدج يُجري بحثاً ميدانياً حول النقابات المستقلة والباعة الجائلين في القاهرة، وأن زياراته للأسواق وعلاقاته بالباعة كانت جزءاً من منهجه البحثي المعروف بـ«الملاحظة بالمشاركة».

وكشفت النيابة أن فحص حساباته البنكية أظهر امتلاكه نحو 14 ألف يورو فقط، مصدرها عمله في شركة «أوكسفورد أناليتيكا»، دون أي تحويلات مالية مشبوهة. وخلصت إلى عبارة وصفتها بالحاسمة: «جوليو ريجيني لم يكن جاسوساً».

واختفى ريجيني في 25 يناير 2016 — الذكرى الخامسة لثورة يناير — قبل أن يُعثر على جثمانه بعد أسبوع وعليها آثار تعذيب واسعة.

السياق المصري.. ارتفاع الاحتجازات والتنافس الأمني

خصصت النيابة الإيطالية جزءاً من مرافعتها لعرض السياق السياسي والأمني في مصر خلال الفترة بين أكتوبر 2015 ويناير 2016، مستندةً إلى شهادة خبير متخصص في شؤون الشرق الأوسط.

وأشارت إلى أن حالات «الاحتجاز غير الرسمي» شهدت ارتفاعاً حاداً، إذ قفز متوسطها من نحو 10 حالات سنوياً قبل 2011 إلى 21 حالة في 2014، ثم 118 في 2015، و161 في 2016 — مستشهدةً بدراسة صادرة عن فريق عمل أممي.

كما أشارت إلى أن الأجهزة الأمنية الثلاثة الرئيسية المخابرات العامة والأمن الوطني والاستخبارات العسكرية كانت في حالة تنافس لإثبات كفاءتها، وهو ما رأت النيابة أنه أسهم في خلق بيئة تعمل فيها السلطة خارج أي رقابة.

64 طلباً إيطالياً.. و39 بلا إجابة

الرقم الأكثر دلالةً في المرافعة كان رقماً لا صورة: وجّهت إيطاليا 64 طلباً للمساعدة القضائية إلى مصر، لم تتلقَّ رداً إلا على 25 منها، في حين بقيت 39 طلباً بلا إجابة حتى اليوم.

وقالت النيابة إن 13 من هذه الطلبات المعلقة كانت «حاسمة»، إذ تتعلق ببيانات هواتف محمولة وبصمات بيولوجية على ملابس ريجيني ووثائق داخلية للأمن الوطني وسجلات تحركات الأفراد.

في المقابل، أرسلت مصر إلى إيطاليا طلبين للمساعدة القضائية تضمنا 11 نقطة، جرى الرد عليها جميعاً. وخلصت النيابة إلى أن عدم الاستجابة المصرية كان «انتقائياً لا عشوائياً».

المتهمون والعقوبات المطلوبة

طالبت النيابة الإيطالية بعقوبات صارمة على المتهمين الأربعة:

  • الرائد مجدي شريف: السجن المؤبد بتهمة التآمر على القتل العمد
  • اللواء طارق صابر (الرئيس السابق لأمن الدولة): السجن 17 عاماً و6 أشهر
  • العقيد هشام حلمي: السجن 17 عاماً و6 أشهر
  • العقيد أثير كمال (الرئيس السابق للتحقيقات في القاهرة): السجن 17 عاماً و6 أشهر

وتُجرى المحاكمة غيابياً في ظل عدم حضور المتهمين، ولا يُتوقع صدور الحكم قبل انتهاء العطلة القضائية في أغسطس المقبل.

الموقف المصري.. «لا وجه لإقامة الدعوى»

في المقابل، تمسكت النيابة العامة المصرية بموقفها الثابت إذ أصدرت في ديسمبر 2020. قراراً بـ«ألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية مؤقتاً لعدم معرفة الفاعل». مستبعدةً ما نُسب إلى أربعة ضباط وفرد شرطة من قطاع الأمن الوطني.

وأكدت النيابة المصرية أنها استمعت إلى أكثر من 120 شاهداً، وفحصت اتصالات ريجيني وتحركاته وكاميرات المراقبة. وتعاونت مع الجانب الإيطالي لكنها أشارت إلى أن روما لم تنفذ بعض طلباتها بدورها. منها إرسال حاسوب ريجيني ومحاضر أقوال شهود.

محاكمة «ضد الصمت».. والحكم ينتظر

وصفت النيابة الإيطالية هذه المحاكمة بأنها «محاكمة ضد الصمت». ضد من امتنعوا عن التعاون، وضد من اعتقدوا أن مرور الوقت سيطمس الحقيقة.

وخلصت إلى أن القضية «ما كانت لتنظر في أي مكان» لولا القضاء الإيطالي.

عشر سنوات من الصمت والإنكار والمطالبة والحكم الذي ينتظره والدا ريجيني وملايين المتابعين حول العالم لم يصدر بعد.

لكن المرافعة الختامية قالت ما لم تقله أي وثيقة رسمية من قبل وتركت السؤال الأثقل معلقاً في قاعة المحكمة. هل تكفي العدالة الإيطالية وحدها حين تغيب العدالة في مكان آخر؟

اقرأ أيضا

13 عاماً على 30 يونيو.. ماذا ربح الشعب وماذا ربحت المؤسسة العسكرية؟

Exit mobile version