تقاريرعربي ودولي

القاهرة وأنقرة تُعمّقان تحالفهما العسكري.. ورسالة ضمنية لتل أبيب في توقيت لافت

حين تعزف الموسيقات العسكرية السلام الوطني لمصر وتركيا معاً في مقر وزارة الدفاع بالقاهرة، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود البروتوكول بل تمتد إلى من يُتقن قراءة المشهد الإقليمي.

اللقاء بين رئيسَي أركان البلدين وتوقيع محضر اللجنة العسكرية المشتركة في دورتها الخامسة يأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتصاعد التحركات العسكرية الإسرائيلية على أكثر من جبهة ولا يبدو أن التزامن محض صدفة.

اجتماع الأركان.. ما وراء البروتوكول

استقبلت القاهرة الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، رئيس هيئة الأركان التركية، في زيارة رسمية مديدة التقى خلالها بالفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، في لقاء تناول «عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك وسبل تعزيز التعاون العسكري في العديد من المجالات».

وتوّج اللقاء بالجلسة الختامية للاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية التركية، التي انتهت بتوقيع محضر يتضمن «تنفيذ العديد من الأنشطة لدعم آفاق التعاون العسكري ونقل وتبادل الخبرات». وما بين السطور أي ما لم يُقَل ربما يكون أهم مما قيل.

مسار التقارب.. من القطيعة إلى الشراكة العسكرية

لفهم دلالة هذا الاجتماع، لا بد من استحضار المسافة التي قطعها البلدان خلال سنوات قليلة. فمصر وتركيا كانتا حتى وقت قريب في حالة من الجمود الدبلوماسي المتبادل، تغذّيها خلافات عميقة حول ملفات ليبيا والإخوان المسلمين وتوازنات المتوسط.

ثم جاء التحول التدريجي الذي تسارعت وتيرته بتشكيل «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتوقيع «الاتفاقية العسكرية الإطارية» في فبراير الماضي — لتبلغ الشراكة اليوم مستوى تبادل أركان الأسلحة وإجراء تدريبات جوية وبحرية وبرية مشتركة.

هذا التحول ليس دبلوماسية عادية — بل إعادة رسم لخريطة التحالفات في المنطقة.

إسرائيل في المعادلة.. قراءة في التوقيت

لا يمكن عزل هذا التقارب العسكري المتسارع عن المشهد الإقليمي المحتقن؛ إذ تشهد المنطقة تحركات إسرائيلية متصاعدة على أكثر من محور من استمرار العمليات العسكرية في غزة، إلى التوغل في الأراضي السورية وإقامة مناطق نفوذ في الجنوب السوري، مروراً بالتوترات المتصاعدة على الحدود اللبنانية رغم الاتفاق الإطاري الأخير.

وفي هذا السياق، يحمل التعاون العسكري المصري التركي أبعاداً تتجاوز التدريب المشترك وتبادل الخبرات:

البعد الأول الردع: التدريبات المشتركة المتكررة والحوار العسكري الرفيع المستوى. يُرسلان رسالة واضحة بأن ثمة تنسيقاً فعلياً بين قوتين إقليميتين كبيرتين. وهو ما لا تستطيع تل أبيب تجاهله في حساباتها الاستراتيجية.

البعد الثاني — ليبيا والمتوسط: الملف الليبي الذي كان مصدر خلاف بين القاهرة وأنقرة بات اليوم محل تنسيق. وهو ما يُغلق أمام إسرائيل ودول أخرى إمكانية استغلال الهوّة الليبية لتوسيع نفوذها في غرب المتوسط.

البعد الثالث — غزة: تركيا من أشد المنتقدين للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة. ومصر تدير ملف الوساطة وتتحمل ضغوطاً هائلة على حدودها. التنسيق بين الطرفين حول هذا الملف يمنح الموقف المصري ظهيراً إقليمياً يُعزز ثقله التفاوضي.

البعد الرابع — سوريا: التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية يقلق أنقرة والقاهرة معاً، وإن من زوايا مختلفة.

الاجتماع الخامس.. رقم ذو دلالة

الرقم «خامس» في مسمى اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة يكشف أن هذا التعاون ليس وليد اللحظة. أو ردة فعل على حدث طارئ بل مسار ممنهج متراكم يسير بخطى محسوبة نحو شراكة دفاعية راسخة.

ومن الاجتماع الأول إلى الخامس، قطع البلدان مسافة كبيرة: من الحوار إلى التدريب. ومن التدريب إلى توقيع البروتوكولات، ومن البروتوكولات إلى اتفاقية إطارية شاملة.

ماذا يعني هذا كله لمصر؟

على المستوى الاستراتيجي، يمنح هذا التحالف مصر هامشاً أوسع من الحرية في التعامل. مع الضغوط الإقليمية سواء المتعلقة بغزة أو بالتوازنات في المتوسط.

اقرأ أيضا

كيف تتحول التدريبات العسكرية المصرية التركية إلى معادلة ردع إقليمية جديدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى