حين تمشي في شوارع العاصمة الإدارية الجديدة، فأنت لست وحدك حتى لو لم تر أحداً. ستة آلاف كاميرا موزعة في أرجاء المدينة، مزودة بأنظمة التعرف على الوجه، تُحيط بك من كل اتجاه وترسل صورتك في الوقت الفعلي إلى غرفة تحكم مركزية لا تغفل ولا تنام.
هذا ليس سيناريو خيال علمي بل هو ما وقّعت عليه شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية مع شركة «هانيويل» الأمريكية عام 2019 بقيمة 31 مليون دولار.
الصفقة التي بنت «العين الكبرى»
في عام 2019، وقّعت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عقداً مع شركة «هانيويل» الأمريكية العملاقة لتطوير منظومة الأمن والمراقبة الرقمية في المدينة الجديدة. وبحسب ما أعلنته «هانيويل» آنذاك، شمل الاتفاق إنشاء نظام أمني متكامل على مستوى المدينة بأكملها، يربط جميع الأنظمة الأمنية في مركز موحد للقيادة والسيطرة يحمل اسم Integrated Command and Control Centre — ICCC.
وتضمّن التعاقد البالغة قيمته نحو 31 مليون دولار تركيب أكثر من 6000 كاميرا مراقبة موزعة في أنحاء المدينة، مزودة بأنظمة التعرف على الوجه، ومرتبطة لاسلكياً بغرفة التحكم المركزية القادرة على متابعة الحركة المرورية والتجمعات الجماهيرية ورصد الحوادث الأمنية في الوقت الفعلي.
التعرف على الوجه.. الخط الأحمر الذي تجاوزته العاصمة
تقنية التعرف على الوجه ليست مجرد أداة أمنية بل هي تحول جذري في طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن.
فمن ناحية، تعني هذه التقنية أن كل شخص يمشي في شوارع العاصمة الإدارية يمكن تتبّع تحركاته وتحديد هويته وربط وجوده في مكان معين بسجله الكامل دون أن يُخطَر أو يوافق أو حتى يعلم.
مركز القيادة والسيطرة.. قوة بلا رقابة معلنة
الـ ICCC ليس مجرد غرفة مراقبة بل هو عقل رقمي مركزي يجمع في لحظة واحدة صورة كاملة عن حركة المدينة بأسرها.
وبناءً على ذلك، فإن من يجلس أمام شاشاته يملك قدرة غير مسبوقة. على رصد أي تجمع أو تتبع أي فرد أو توقع أي حادثة قبل أن تقع أحياناً.
غير أن الإعلانات الرسمية عن المشروع ركّزت على الإمكانات التقنية دون أن تتضمن. أي حديث عن آليات المساءلة أو التدقيق المستقل.
«هانيويل» تبني.. والمصريون يدفعون.. فمن يستفيد؟
والجدير بالذكر أن الـ31 مليون دولار التي دُفعت لشركة أمريكية لبناء هذه المنظومة. تُمثّل جزءاً من أموال عامة أُنفقت على بنية تحتية للمراقبة في وقت يعاني فيه كثير. من المصريين من ضغوط اقتصادية متصاعدة.
علاوة على ذلك، يطرح الاعتماد على شركة أجنبية في بناء منظومة أمنية بهذا الحجم تساؤلات مشروعة حول السيادة الرقمية. من يملك حق الوصول إليها من الجانب الأمريكي؟ وما الضمانات التي تحول دون استخدامها لأغراض تتجاوز النطاق المصري؟
