بين تحذيرات الجفاف وأرقام الفيضان القياسي.. مصر تدير ملف مياه النيل بحذر مزدوج

تجد مصر نفسها هذا الموسم أمام مشهد مائي متناقض الملامح: تحذيرات متكررة من خبراء ومسؤولين سابقين بشأن احتمال دخول البلاد في سنوات جفاف متتالية بفعل التغيرات المناخية وظاهرة "النينيو"، مقابل تأكيد رسمي من وزارة الموارد المائية والري بأن لا أساس علمياً لفكرة الدورات المناخية الثابتة، وأن الموسم الماضي (2024/2025) سجّل بالفعل أعلى فيضان في تاريخ الرصد الهيدرولوجي لنهر النيل، بإيراد تجاوز 150 مليار متر مكعب.

هذا التباين بين الخطابين -خطاب التحذير العلمي/الإعلامي، وخطاب الطمأنة الرسمي- يعكس حساسية ملف المياه في مصر، الذي يتشابك فيه العامل المناخي مع الملف السياسي الأكثر تعقيداً: سد النهضة الإثيوبي.

أولاً: التحذيرات.. جذورها وأصحابها

جاءت موجة التحذيرات من عدة مصادر متقاطعة:

  • وزير الري الأسبق محمد نصر الدين علام لم يستبعد "سيناريو الجفاف"، مستنداً إلى أن السنوات الخمس عشرة الماضية شهدت تدفقات متوسطة أو فوق المتوسط، ما يجعل احتمال حدوث سنوات متعاقبة منخفضة التدفق "مرجحاً" في المرحلة المقبلة، مع تأثير مباشر متوقع على مصر والسودان.
  • أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين ربط الأمر بظاهرة "النينيو" وتأثيرها على أمطار الهضبة الإثيوبية، وطرح نظرية "الدورة العشرينية" التي تقسم الأعوام إلى سنوات سِمان وعِجاف ومتوسطة.
  • أستاذ الجيولوجيا عباس شراقي أشار إلى مؤشرات علمية تتوقع تراجع الإيراد السنوي من نحو 84 مليار متر مكعب إلى ما بين 70 و80 مليار متر مكعب هذا الموسم، لكنه استدرك بأن ذلك قد يكون "تراجعاً مؤقتاً" وليس بداية جفاف طويل الأمد، مؤكداً أن مصر "في وضع آمن حالياً" بفضل مخزون السد العالي.

ثانياً: التصحيح الرسمي

في مقابل هذه التحذيرات، جاء رد مصدر مسؤول بوزارة الموارد المائية والري ليضع ثلاث نقاط أساسية موضع التصحيح:

  1. لا وجود لـ"دورات ثابتة": مراجعة السجل الهيدرولوجي الممتد لأكثر من قرن لا تكشف عن أي نمط منتظم متكرر كل سبع سنوات بين الجفاف والفيضان، ومنحنى تدفقات النهر يتغير عاماً بعد عام وفق عوامل مناخية متعددة لا يحكمها إيقاع زمني ثابت.
  2. مبكر جداً للحكم على الموسم: السنة المائية المصرية تبدأ في أغسطس، بينما تمتد أمطار الهضبة الإثيوبية من يونيو حتى سبتمبر، ولا تتضح الصورة الحقيقية لحجم الفيضان إلا قرب نهاية الموسم، وتحديداً في سبتمبر وأكتوبر، حين ترتفع دقة التوقعات إلى نحو 90%. وبالتالي فإن أي تكهنات حالية تبقى في إطار الاحتمال لا اليقين العلمي.
  3. الموسم الماضي كان استثنائياً في اتجاه معاكس: بدلاً من الجفاف، سجّلت مصر في موسم 2024/2025 أعلى فيضان في تاريخ الرصد المنتظم، بما يزيد على 150 مليار متر مكعب -وهو رقم يفوق بكثير المعدل السنوي المعتاد البالغ نحو 84 مليار متر مكعب.

ثالثاً: أين يقف سد النهضة من كل هذا؟

يبقى سد النهضة الإثيوبي، الذي يخزّن نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، حاضراً في خلفية أي نقاش عن الجفاف أو الفيضان.

فمصر، التي تبلغ حصتها التاريخية 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، لا تزال تطالب بلا جدوى بتوقيع اتفاق ملزم لتنظيم الملء والتشغيل. فيما تتمسك إثيوبيا بموقفها الرافض لأي التزامات قانونية، مؤكدة أن السد لن يؤثر على دولتي المصب.

وعلى المستوى الدبلوماسي، برز تحرك أميركي حديث حين تعهد الرئيس دونالد ترمب. خلال لقائه عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع في يونيو الماضي. بإعطاء ملف السد أولوية قصوى للتوصل إلى تسوية عادلة -وهو تعهد لم تتبلور بعد ملامحه على أرض الواقع.

قراءة تحليلية

يمكن قراءة هذا التباين بين التحذيرات والتصحيح الرسمي من زاويتين:

  • الزاوية العلمية: الفارق بين الخطابين ليس بالضرورة تناقضاً جوهرياً، بل اختلافاً في درجة اليقين.
  • فالخبراء الأكاديميون يتحدثون عن احتمالات وسيناريوهات مستقبلية مبنية على مؤشرات مناخية عامة (النينيو، التغير المناخي). بينما تتحدث الوزارة عن معطيات تاريخية وموسمية موثقة لا تدعم فرضية الدورات الثابتة. وتشدد على أن الحكم المبكر على الموسم الحالي سابق لأوانه إحصائياً.
  • الزاوية السياسية/الإدارية: التصريح الرسمي يحمل أيضاً بعداً طمأنينياً موجهاً للرأي العام. في وقت تسعى فيه الدولة لتفادي حالة قلق جماعي مرتبطة بملف حساس يتقاطع مع الأمن القومي (سد النهضة). خصوصاً أن مصر أجرت بالفعل قبل أيام محاكاة رسمية لسيناريوهات الطوارئ المائية . وهو إجراء احترازي يوحي بأن الجاهزية قائمة بصرف النظر عن التصريحات العلنية المطمئنة.

تحذيرات من الجفاف

يبقى الثابت الوحيد في هذا الملف هو غياب اليقين قصير المدى: فلا التحذيرات من الجفاف مؤكدة علمياً بحسب الوزارة. ولا استمرار وفرة المياه مضمون في ظل استمرار الغموض بشأن تشغيل سد النهضة.

وبين مخزون السد العالي الذي يمنح مصر هامش أمان، والتفاوض السياسي المتعثر مع إثيوبيا. تبدو الاستراتيجية المصرية قائمة على مسارين متوازيين: الاستعداد الفني لكل السيناريوهات. والضغط الدبلوماسي المستمر لانتزاع اتفاق ملزم يضمن حصتها التاريخية من مياه النيل.

اقرأ أيضا

نصيب المواطن يتراجع لـ500 متر سنوياً.. هل يكفي وعد ترامب لإنقاذ حصة مصر من النيل؟

Exit mobile version