نصيب المواطن يتراجع لـ500 متر سنوياً.. هل يكفي وعد ترامب لإنقاذ حصة مصر من النيل؟
لم تعد مصر تتحدث بلغة الدبلوماسية الناعمة حين يتعلق الأمر بسد النهضة بل باتت تتحدث بلغة «القرار غير القابل للمساومة».
وزير الري هاني سويلم أعلن بوضوح أنه لا مفاوضات في الوقت الراهن، وأن القاهرة أوقفت رسمياً مسار التفاوض منذ ديسمبر 2023 بسبب ما وصفه بـ«مراوغة إثيوبيا والتراجع عن كل ما يتم الاتفاق عليه».
والورقة الوحيدة التي تبدو على الطاولة في ظل هذا الجمود هي ورقة واشنطن ترامب الذي وعد بجعل الملف أولوية، وكبير مستشاريه مسعد بولس الذي يتحرك بين القاهرة وأديس أبابا. لكن إثيوبيا التي تراجعت مرة من قبل عن اتفاق تم التوصل إليه لا تُوحي بأن الطريق سيكون سهلاً.
أوقفنا المفاوضات.. وهذه شروط العودة
كشف وزير الري المصري هاني سويلم في تصريحات تلفزيونية أن مصر أوقفت المفاوضات مع إثيوبيا رسمياً منذ ديسمبر 2023، مؤكداً أن القاهرة «اتخذت قرار دولة غير قابل للمساومة بشأن المسار التفاوضي».
وعزا سويلم هذا القرار إلى «مراوغة إثيوبيا والتراجع عن كل ما يتم الاتفاق عليه وعدم الالتزام بالقانون الدولي».
وحدّد نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق صلاح حليمة ثلاثة محددات لا تتفاوض عليها مصر قبل العودة إلى أي مسار تفاوضي:
أولاً، إعلان إثيوبيا نيةً واضحة بالالتزام بالقانون الدولي للأنهار والتخلي عن التصرفات الأحادية.
وثانياً، التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم وعادل ينظم عمليات الملء والتشغيل.
وثالثاً، وجود وسيط دولي يمتلك قدرة فعلية على التأثير في أديس أبابا وهنا تبرز الولايات المتحدة باعتبارها الورقة الأكثر ثقلاً في المعادلة.
إثيوبيا تراجعت مرة.. هل تتراجع مجدداً؟
الماضي التفاوضي بين البلدين لا يبعث على التفاؤل. فبحسب ما أكده حليمة، فإن واشنطن سبق أن لعبت دور الوسيط مع البنك الدولي خلال الولاية الأولى لترامب، وتوصّل الطرفان آنذاك إلى اتفاق حظي بموافقة مصر والسودان وإثيوبيا قبل أن تتراجع أديس أبابا وتعدّل موقفها.
وبناءً على ذلك، فإن التشكيك المصري في جدية الجانب الإثيوبي ليس مجرد موقف تفاوضي، بل له ما يسنده في السجل الرسمي لمسيرة المفاوضات.
وفي المقابل، يرى وزير الخارجية الإثيوبي غيديون تيموثيوس أن السد «تجسيد أساسي لحق إثيوبيا في التنمية والاعتماد على الذات» وهي لغة تعكس ثوابت إثيوبية مقابلة لا تقل صلابة عن الموقف المصري.
ترامب يتدخل.. لكن إلى أي حد؟
في خضم هذا الجمود، برزت الولايات المتحدة بوصفها الفاعل الخارجي الأكثر تأثيراً في المعادلة.
فعلى هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا يوم 17 يونيو، أكد ترامب للرئيس السيسي أنه سيولي ملف سد النهضة «أولوية قصوى» للتوصل إلى تسوية عادلة.
فضلاً عن ذلك، أرسل ترامب خطاباً رسمياً إلى السيسي في يناير الماضي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف المفاوضات، وكان قد أكد في أحاديث سابقة عام 2025 أن «واشنطن موّلت السد ويجب أن يكون هناك حل سريع».
وقد أجرى كبير المستشارين مسعد بولس اتصالات ولقاءات منفصلة مع مسؤولين من الجانبين. وإن كانت المفارقة أن بولس نفسه وقف أخيراً أمام مجلس الأمن مُتهماً السودان. بالتعنت في ملف آخر، مما يضع توازنات الوساطة الأمريكية تحت المجهر.
500 متر مكعب للفرد.. الرقم الذي يقول كل شيء
ولفهم حدة الموقف المصري. تكفي أرقام سويلم وحدها: حصة مصر التاريخية من مياه النيل ظلت ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. بينما قفز عدد السكان إلى نحو 120 مليون نسمة.
وبناءً على ذلك، هبط نصيب الفرد من ألفي متر مكعب في ستينيات القرن الماضي. إلى أقل من 500 متر مكعب حالياً. أي أقل من نصف خط الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب للفرد.
هذا الرقم وحده يُفسّر لماذا وصف السيسي الأمر بـ«المصالح الوجودية»، ولماذا أكد أن مصر «لن تقف مكتوفة الأيدي».



