حسم المستشار رفعت جبر، مقعد رئاسة نادي القضاة بأغلبية مريحة، إذ حصل على 4111 صوتاً مقابل 2796 صوتاً لمنافسه المستشار ربيع قاسم، في انتخابات احتضنها البهو الرئيسي لدار القضاء العالي بوسط القاهرة، وشهدت إقبالاً لافتاً وأجواء تنافسية قاربت فيها المشاركة 8 آلاف قاضٍ.
وبحسب مصدرين قضائيين شاركا في العملية الانتخابية، فإن النتيجة تحمل دلالة تتجاوز الشخصين المتنافسين، إذ تعكس رفض القضاة لفكرة "الوصاية" ورغبتهم في إبعاد ناديهم عن أي هيمنة حكومية محتملة، خاصة أن قاسم كان محسوباً على الدوائر الرسمية بحكم عمله سابقاً مساعداً لوزير العدل.
خلفية: سنوات من "الركود الإداري"
جاءت الانتخابات بعد فترة طويلة من إدارة "تسيير الأعمال"، بدأت في أغسطس 2024 عقب استقالة آخر رؤساء النادي المنتخبين، المستشار محمد عبد المحسن، إثر إعارته للعمل في البحرين.
وتولى حينها المستشار أبو الحسين فتحي قايد إدارة النادي بصفة مؤقتة، في فترة وصفها أحد المصدرين بأنها شهدت تراجعاً ملحوظاً في الأداء الإداري والخدمي، مع شعور متزايد لدى القضاة بأن صوتهم لا يصل إلى دوائر صنع القرار.
تزامن هذا الجمود مع ضغوط معيشية واقتصادية متصاعدة على القضاة، إضافة إلى صعوبة الظروف الميدانية للعمل في مواقع بعيدة.
أزمة "الأكاديمية العسكرية".. الشرارة التي فجرت الغضب
يشير المصدران إلى أن المنعطف الأبرز الذي حوّل الاحتقان الصامت لدى القضاة إلى غضب معلن، كان التوجه مطلع العام الجاري نحو توسيع صلاحيات الأكاديمية العسكرية في عملية تعيين القضاة، بحيث تصبح هي الجهة المسؤولة عن التقديم والمقابلات الفنية والاختيار النهائي، بدلاً من الجهات والهيئات القضائية نفسها -وهو قرار أثار حفيظة واسعة داخل الوسط القضائي.
على إثر ذلك، دعا مجلس إدارة النادي المؤقت إلى اجتماع طارئ، ثم إلى انعقاد جمعية عمومية غير عادية في 6 فبراير الماضي لمناقشة الأمر. غير أن هذه الدعوة أُلغيت بعد لقاء جمع مجلس إدارة النادي بمجلس القضاء الأعلى، وهو ما اعتبره القضاة -بحسب أحد المصدرين- ضغطاً خارجياً زاد من شعورهم بأن صوتهم غير مسموع عبر القيادة القائمة للنادي.
من "لجنة المساواة" إلى رئاسة النادي
في ظل غياب دور فاعل للنادي، اتجه القضاة للبحث عن أطر بديلة تتبنى مطالبهم المعيشية، وعلى رأسها مطلب مساواة رواتب قضاة محاكم الاستئناف بزملائهم في محكمة النقض، في ظل فجوة مالية تصل إلى نحو 18-19 ألف جنيه شهرياً بين الفئتين.
وفي هذا السياق برز اسم رفعت جبر، الذي ترأس لجنة داخل النادي عُرفت بـ"لجنة المساواة" لمتابعة ملف الطعون القضائية لإقرار المساواة في الرواتب.
وينفي أحد المصدرين وجود أي ارتباط تنظيمي بين جبر وتيار "استقلال القضاء" التاريخي الذي برز في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عقب أحداث انتخابات 2005، موضحاً أن نشاطه الفعلي بدأ فقط مع توليه ملف المساواة في الأجور، ومستهجناً محاولات بعض القضاة تصنيف كل مطلب معيشي في خانة سياسية.
المنافس: مرونة إدارية لم تنجح في ملف الأكاديمية
كان مقرراً في الأصل أن تُحسم الانتخابات في 19 ديسمبر الماضي، أي قبل نحو نصف عام من موعدها الفعلي. قبل أن يصدر حكم قضائي بوقفها لوجود أخطاء إجرائية في قرار الدعوة إليها.
وخلال الأشهر الستة التالية، دخل ربيع قاسم -مساعد وزير العدل لشؤون أبنية المحاكم سابقاً- السباق الانتخابي. طارحاً نفسه كمرشح قادر على تحقيق مطالب القضاة دون صدام مع الدولة. مستنداً إلى نجاحه المعلن في التوصل لحل بشأن أزمة الاستقطاعات الضريبية من رواتب القضاة بالتنسيق مع وزارة المالية.
غير أن هذا الطرح "التهدوي"، الذي لقي في البداية قبولاً لدى قطاع من القضاة يفضلون تحقيق مكاسب دون مواجهة. لم يصمد أمام ملف الأكاديمية العسكرية، إذ اقتصر موقف قاسم على محاولة التخفيف من بعض تفاصيل التجربة التدريبية. مقابل الانتظار حتى تفعيل الأكاديمية القضائية البديلة المزمع إنشاؤها في مدينة العدالة. وهو موقف اعتبره كثير من القضاة غير كافٍ. خاصة مع تساؤلات حول سبب عدم استخدامه نفوذه الحكومي لحل الملف قبل موعد الانتخابات.
"الحشد الإداري" الذي انقلب على صاحبه
يربط أحد المصدرين بين الصورة الذهنية التي تشكلت عن قاسم كصاحب نفوذ حكومي. وبين ملاحظته لتوجيهات صدرت لرؤساء محاكم ونيابات لضمان حضور أعضاء الجمعية العمومية للتصويت. دون أن ينفي المصدر ذاته وجود توجيهات رسمية مكتوبة بالتصويت لصالح مرشح بعينه.
لكن هذا الحشد، بحسب المصدرين، ارتد بنتيجة عكسية تماماً. إذ فسّر كثير من القضاة الأمر باعتباره محاولة للتأثير على إرادتهم الحرة. ما حوّل الاقتراع جزئياً على الأق إلى ما وصفاه بـ"تصويت عقابي". تركزت فيه كتلة تأييد جبر لدى الأجيال الشابة من القضاة، مقابل تركز أصوات قاسم في صفوف المستشارين المتقاعدين والقاضيات.
مع ذلك، يرفض أحد المصدرين حصر النتيجة في تفسير "التصويت العقابي" وحده. مشيراً إلى أن المرشح الثالث في السباق، محمد الذهبي، لم يحظَ بأصوات مماثلة رغم توفر خيار "معاقبة" قاسم عبره أيضاً. ما يعني أن التصويت لجبر جاء عن قناعة حقيقية بمطالبه لا كرد فعل سلبي فقط.
سياق أوسع: نقابات مهنية أخرى تسير في الاتجاه نفسه
لا تبدو نتيجة انتخابات نادي القضاة منفصلة عن مسار مشابه شهدته نقابتا الصحفيين والمهندسين مؤخراً. حيث فاز فيهما مرشحان مستقلان، هما خالد البلشي ومحمد عبد الغني، على حساب منافسين اعتُبرا أقرب للدوائر الرسمية.
ويقرأ مراقبون هذا التوازي كمؤشر على رغبة متزايدة لدى القواعد المهنية المصرية في الحفاظ على استقلالية قراراتها النقابية. بعيداً عن أي تأثير حكومي مباشر.



