نادراً ما يتحدث رئيس دولة بهذا الوضوح عن حجم الثمن الذي دفعه اقتصاده غير أن السيسي فعل ذلك على منصة افتتاح الأوكتاجون، في خطاب لم يكتفِ بالاحتفاء بالإنجاز، بل ذهب إلى عمق السياق الذي وُلد فيه. فمن أحداث يناير 2011 التي «أثّرت على مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات»، إلى تراجع إيرادات السويس بأكثر من 10 مليارات دولار قدّم السيسي للمصريين ما وصفه بـ«الحساب الكامل» لعقد من الضغوط غير المسبوقة. والسؤال الذي يطرحه المواطن في نهاية هذا الحساب: من يدفع الفاتورة ومن يجني الثمار؟
يناير 2011.. البداية التي غيّرت كل شيء
لم يتجنب السيسي ذكر «أحداث عام 2011» — بل جعلها نقطة الانطلاق في سرديته عن مسوّغات بناء منظومة قيادة استراتيجية جديدة. وقال إن تلك الأحداث وما تلاها حتى 2014 «فرضت تحديات استثنائية على الدولة المصرية وأثّرت على مؤسساتها وقدرتها على إدارة الأزمات» وهو ما دفع، وفق قوله، إلى تبنّي رؤية جديدة لتطوير منظومة القيادة والسيطرة التي تجلّت اليوم في الأوكتاجون.
وبناءً على ذلك، فإن الرسالة التي أراد السيسي إيصالها كانت واضحة: كل ما بُني بعد 2014 كان رداً مؤسسياً على ما انهار أو تصدّع قبله.
سلسلة الأزمات.. واحدة تلو الأخرى
رسم السيسي صورة لمصر تحت وطأة أزمات متلاحقة لم تمنحها فرصة التنفس وعدّدها بالترتيب الزمني الذي يكشف حجم التراكم:
أولاً، تداعيات أحداث 2011 وما تلاها من اضطراب مؤسسي. وثانياً، الحرب على الإرهاب التي استنزفت موارد الدولة وطاقتها الأمنية. ثم جاءت جائحة كورونا لتضرب اقتصادات العالم أجمع، غير أن الاقتصادات الهشة تحمّلت وطأتها أكثر من غيرها. فضلاً عن ذلك، أشعلت الحرب الروسية الأوكرانية أسعار الغذاء والطاقة في وقت كانت فيه مصر تحاول استعادة توازنها. وعلاوة على ذلك، فرضت الحرب في غزة ضغوطاً على القاهرة في أكثر من ملف. وأخيراً، اضطربت الملاحة في البحر الأحمر جراء التوترات الإيرانية الإسرائيلية.
وخلاصة ما رسمه السيسي أن عقداً كاملاً من الصدمات المتتالية تراكمت، وكل صدمة وجدت الاقتصاد لم يتعافَ بعد من سابقتها.
10 مليارات دولار.. الرقم الذي يختصر المأساة
والأكثر تأثيراً في خطاب السيسي كان رقماً حاداً وواضحاً: تراجع إيرادات قناة السويس بأكثر من 10 مليارات دولار بسبب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين على السفن.
وتجدر الإشارة إلى أن قناة السويس تمثل أحد أبرز مصادر الدخل السيادي لمصر، وطالما استُشهد بإيراداتها كمؤشر على صحة الاقتصاد ومع ذلك فقدت خلال أشهر ما يعادل خمس موازنات كاملة لمحافظة متوسطة.
ملايين الوافدين.. العبء الذي لا تراه الإحصاءات
وفي سياق متصل، تحدث السيسي عن بُعد آخر نادراً ما يُذكر بصراحة في الخطاب الرسمي. وهو العبء الذي شكّله استضافة ملايين الوافدين والنازحين من مناطق الصراع الإقليمي على موارد الدولة وخدماتها.
ولافتٌ أن هذا العبء يقع تحديداً على قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والمواصلات. أي القطاعات التي يلتقي فيها المواطن المصري يومياً بواقعه المعاش.
الإصلاح رغم كل شيء.. الرواية الرسمية
ومع ذلك، لم يكتفِ السيسي بعرض التحديات إذ أكد في المقابل أن الدولة. «واصلت تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي ومشروعات البنية الأساسية رغم هذه الظروف». معتبراً أن الهدف هو الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام. وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
