بينما كان نتنياهو يوجه انتقادات حادة لأنقرة قبل أيام قليلة، ويتحدث عن حوار "صارم" يديره مع القاهرة، أعلنت القوات المسلحة المصرية انطلاق تدريب عسكري مشترك مع تركيا تحت مسمى "العقاب الذهبي - GOLDEN EAGLE"، بمشاركة قوات النخبة من الجانبين: المظلات والصاعقة المصرية مقابل القوات الخاصة التركية.
هذا التزامن اللافت بين خطاب إسرائيلي يضع مصر وتركيا في خانة واحدة كمصدر قلق، وبين تدريب عسكري فعلي يجمع الجيشين المصري والتركي على الأرض المصرية، يستحق قراءة في سياقه الأوسع بعيدا عن الصياغة الرسمية المقتضبة للبيان العسكري.
من القطيعة إلى التدريب المشترك.. مسار تقارب متسارع
يمثل هذا التدريب مؤشرا ملموسا على تطور العلاقات العسكرية المصرية التركية بعد سنوات طويلة من الفتور الدبلوماسي الذي أعقب أحداث 2013، وهو تحول لم يعد مقتصرا على تبادل الزيارات السياسية أو التصريحات الودية، بل وصل إلى مستوى أكثر حساسية وعمقا: تدريب مشترك لقوات النخبة من الجيشين على الأراضي المصرية.
اختيار قوات المظلات والصاعقة من الجانب المصري تحديدا، في مقابل القوات الخاصة التركية، يعكس أن التعاون هنا لا يقتصر على مناورات تقليدية عامة، بل يستهدف مباشرة قدرات العمليات الخاصة الأكثر حساسية عسكريا.
مرحلة نظرية أولا.. توحيد المفاهيم قبل التنفيذ الميداني
بحسب البيان العسكري، بدأت فعاليات التدريب بمرحلة نظرية شملت محاضرات متعددة المحاور تهدف لتوحيد المفاهيم العملياتية وتحقيق الانسجام بين القوات المشاركة، إلى جانب معرض للأسلحة والمعدات المستخدمة في المناورات.
هذا التسلسل المنهجي -من النظري إلى العملي- يعكس طبيعة تدريب مصمم لبناء تجانس تشغيلي حقيقي بين جيشين لم يعتادا العمل معا لفترة طويلة، لا مجرد استعراض رمزي عابر.
أيام قادمة من التدريبات العملية.. تبادل خبرات تكتيكية مباشر
أوضح البيان أن الأيام المقبلة ستشهد تنفيذ الأنشطة العملية المخططة بهدف تبادل الخبرات التكتيكية بين الجانبين وتحقيق أقصى استفادة ممكنة للقوات الخاصة من البلدين.
صيغة "أقصى استفادة ممكنة" هنا لافتة، إذ تشير إلى أن الهدف المعلن يتجاوز الرمزية الدبلوماسية للتدريب نحو استفادة عملياتية فعلية، وهو ما يعكس ثقة متبادلة في مستوى وجاهزية قوات النخبة لدى كلا الجانبين.
سياق إقليمي متوتر.. ومصر تدير علاقاتها في اتجاهين متوازيين
يأتي هذا التدريب في ظل مشهد إقليمي معقد، حيث تدير مصر تعاونا عسكريا متصاعدا مع تركيا. في وقت تتحدث فيه إسرائيل عن "حوار صارم" مع القاهرة بشأن الترتيبات الأمنية الحدودية. وتوجه انتقادات مباشرة لأنقرة.
هذا التوازي يكشف أن مصر تسير في مسار متعدد الاتجاهات لا يقتصر على معادلة "إما إسرائيل أو تركيا". بل يعكس سياسة تحرص على تنويع شراكاتها العسكرية الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية الخاصة. بمعزل عن حسابات الأطراف الأخرى ومخاوفها المعلنة.
إطار أوسع من التعاون العسكري المصري مع "الدول الشقيقة والصديقة"
وصف البيان العسكري هذا التدريب بأنه يأتي ضمن خطة تدريبات مشتركة أوسع تنفذها القوات المسلحة المصرية. مع دول أخرى بهدف تعزيز التعاون العسكري متعدد الأطراف.
هذا التأطير العام يضع "العقاب الذهبي" في سياق سياسة مصرية ثابتة لا استثناء طارئ. لكنه في الوقت نفسه لا يقلل من الدلالة الخاصة لاختيار تركيا تحديدا كشريك في هذه المرحلة الزمنية بالذات. بعد المسار الطويل من إعادة بناء الثقة بين البلدين.
اقرأ أيضا
