في سابقة نادرة في تاريخ الحكومات المصرية، أطاحت قضية ملكية فكرية بوزيرة في الحكومة لا قضية فساد مالي ولا أزمة سياسية، بل كتاب نقلت فيه وزيرة الثقافة نصف محتوى كتاب كاتبة أخرى دون إذن.
محكمة النقض أغلقت الباب بحكم بات ونهائي، وجيهان زكي قدّمت استقالتها لترفع «الحرج عن الحكومة» في مشهد يطرح تساؤلات مشروعة: هل كان يجب أن تصل الأمور إلى هذا الحد قبل أن تتحرك الوزيرة؟
حكم النقض.. الباب يُغلق نهائياً
رفضت محكمة النقض المصرية الاثنين طعنين متطابقين في مضمونهما تقدمت بهما جيهان زكي في سبتمبر 2025، وأيّدت الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد.
وكانت زكي قد استندت في طعنيها إلى أن ما فعلته يندرج تحت «الاقتباس المباح» غير أن المحكمة أيّدت رأي نيابة النقض برفض هذا الدفاع.
وقضى الحكم بإلزام وزيرة الثقافة بدفع تعويض 100 ألف جنيه للكاتبة المتضررة، إلى جانب سحب كتابها نهائياً من الأسواق ومنع تداوله وهو ما وصفته الكاتبة سهير عبد الحميد بأنه «إعدام الكتاب».
الاستقالة.. «لترفع الحرج عن الحكومة»
في اليوم التالي لصدور حكم النقض، تقدمت جيهان زكي باستقالتها إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
وجاء في بيان مجلس الوزراء أنها أكدت «احترامها لأحكام القضاء المصري» وأنها تقدمت بالاستقالة «لترفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية».
وقبل مدبولي الاستقالة، موجّهاً شكره للوزيرة على جهودها خلال فترة توليها المنصب منذ فبراير 2026 أي أقل من خمسة أشهر في الحكومة قبل أن يُصدر قراراً بتكليف وزير التعليم العالي الدكتور عبد العزيز قنصوة بالقيام بأعمال وزير الثقافة مؤقتاً.
القضية من البداية.. 50% من كتاب كاتبة أخرى
تعود تفاصيل القضية إلى ادعاء الكاتبة الصحفية والروائية سهير عبد الحميد بأن جيهان زكي. نقلت أجزاء كاملة من كتابها البحثي «اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر» في كتاب أصدرته بعنوان «كوكو شانيل وقوت القلوب... ضفائر التكوين والتخوين» عبر الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وأكدت عبد الحميد أن نسبة النقل بلغت 50% من كتابها. وهو ما أثبته تقرير اللجنة الثلاثية لخبراء الملكية الفكرية التي شكّلتها المحكمة.
سهير عبد الحميد.. «خصومتي مع الكاتبة لا الوزيرة»
في تعليق لافت، أكدت سهير عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» أن خصومتها كانت مع جيهان زكي بوصفها كاتبة «لا وزيرة». وأن قرار استمرارها في المنصب أو رحيلها «قرار سيادي ليست له به علاقة».
وزيرة ثقافة..
ما يجعل هذه الواقعة استثنائية في سياقها هو الطابع الرمزي الحاد: وزارة الثقافة هي بامتياز الوصيّ على الإبداع وحقوق المؤلفين. وأن تُدان وزيرتها بالتعدي على حق مؤلفة أخرى يُشكّل تناقضاً صارخاً لا تُخففه الاستقالة وحدها.
فاللجنة القضائية أثبتت «نقلاً حرفياً واقتباسات مطوّلة تطمس الحدود بين العملين وتنال من الطابع الإبداعي للمصنف الأصلي». وهذه عبارات لا تصف خطأً عرضياً بل تصف فعلاً متعمداً.
