"لا أحد فوق المحاسبة".. اعتراضات برلمانية متصاعدة على قانون "مستقبل مصر"
اعتراضات نواب المعارضة على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لم تعد محصورة في أحزاب بعينها، إذ انضمت وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب راوية مختار إلى قائمة الرافضين، في مؤشر على أن حجم التحفظات يتجاوز الاصطفاف الحزبي المعتاد بين معارضة وموالاة، ليتحول إلى قلق مشترك حول غياب آليات الرقابة والمحاسبة، بصرف النظر عن الموقف من فكرة الجهاز نفسها.
تمييز دقيق.. الاعتراض على الآلية لا على الفكرة
حرصت مختار على تحديد موقفها بدقة متناهية، مؤكدة أن رفضها لا يتعلق بفلسفة إنشاء الجهاز أو أهدافه، بل بغياب الضمانات الكافية للرقابة والمحاسبة.
وأوضحت أن الجميع يتفق على أهمية تعظيم موارد الدولة وحسن إدارة الأصول في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، وأن دعم جهود التنمية لا يختلف عليه أحد من حيث المبدأ.
هذا التمييز مهم لأنه ينزع عن الاعتراض أي طابع معارض بالمطلق للتنمية أو للجهاز، ويحصره في نقطة تقنية-رقابية محددة، وهو ما يجعل موقفها أقرب لموقف تقني محايد منه لموقف سياسي معارض بالضرورة.
أسئلة بلا إجابات.. من يقيّم العائد ومن يراقب الأداء؟
طرحت مختار تساؤلات عملية مباشرة حول آلية عمل الجهاز: كيف يمكن قياس العائد الاقتصادي للمشروعات التي سينفذها؟ ومن الجهة المختصة بمتابعة أدائه وتقييمه؟ وأوضحت أنها لم تجد في نص مشروع القانون أي نص واضح ينظم آليات المحاسبة أو يحدد أطر الرقابة عليه.
هذه الأسئلة، رغم بساطتها الظاهرية، تمس جوهر أي تشريع يمنح جهة صلاحيات إدارة أصول أو موارد عامة: فبدون معايير قياس واضحة لا يمكن أصلا الحكم لاحقا على نجاح الجهاز أو فشله في تحقيق أهدافه المعلنة.
لماذا تُستثنى العوائد من الرقابة البرلمانية؟
من أبرز النقاط التي أثارتها مختار تساؤلها عن أسباب عدم خضوع العوائد الاقتصادية للجهاز لرقابة البرلمان تحديدا، معتبرة أن هذا الاستثناء، بالتزامن مع غياب وضوح آليات المحاسبة، يثير علامات استفهام مشروعة.
هذا التساؤل يتقاطع مباشرة مع ما أثارته إيرين سعيد ومحمد عبدالعليم داود في اعتراضاتهما السابقة حول تحويل الجهاز إلى كيان شبه مستقل عن الرقابة التشريعية المعتادة، ما يعكس أن نقطة "استثناء الجهاز من الرقابة البرلمانية" باتت محور الاعتراض الأكثر تكرارا بين مختلف الأطراف المعترضة، بصرف النظر عن انتماءاتها الحزبية.
مبدأ عام لا يحتمل استثناء.. "لا أحد فوق المحاسبة"
اختتمت مختار موقفها بصياغة تحمل طابع المبدأ العام أكثر من كونها انتقادا لجهاز بعينه: "لا أحد فوق المحاسبة والرقابة، وأي كيان يتولى إدارة أصول أو موارد عامة يجب أن يخضع لرقابة ومساءلة واضحة تكفل تحقيق الشفافية وحماية المال العام".
هذه الصياغة تحديدا تعكس تأطيرا للاعتراض كموقف دستوري ومؤسسي ثابت، لا كموقف مرتبط بظروف سياسية آنية. وهو ما يمنحه ثقلا إضافيا كونه صادرا عن نائبة لا تنتمي لأحزاب المعارضة التقليدية. التي أبدت اعتراضات مماثلة في الجلسة نفسها.
اتساع دائرة الرفض.. من حزبي إلى عابر للتوجهات
يكتسب موقف مختار أهمية خاصة حين يُقرأ إلى جانب اعتراضات سابقة لممثلي أحزاب الوفد والعدل والإصلاح والتنمية. إذ يوضح أن التحفظات على مشروع القانون لم تعد مقصورة على تيار معارض محدد. بل امتدت لتشمل أصواتا من خلفيات سياسية متنوعة تتفق جميعها على نقطة واحدة جوهرية. غياب الوضوح في آليات الرقابة والمحاسبة على جهاز سيتولى إدارة استثمارات ضخمة وأصول سيادية.
هذا التقاطع بين مواقف مختلف الأطراف، رغم اختلاف تفاصيل صياغاتهم. يعزز فرضية أن الاعتراض الأساسي تقني رقابي بالدرجة الأولى، لا سياسي حزبي بالمعنى التقليدي.



