من الموانئ إلى المياه.. لماذا تتوسع الإمارات في قطاعات مصر الأكثر حساسية سيادياً؟

بعيدا عن الصياغة الرسمية المعتادة التي تصف كل استثمار خليجي جديد بأنه "دعم للأمن القومي" أو "تعزيز للشراكة الاستراتيجية"، يكشف الإعلان عن مفاوضات متقدمة بين شركة "إيميا باور" الإماراتية والحكومة المصرية لإنشاء ثلاث محطات تحلية بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميا عن نمط متكرر يستحق التوقف عنده: دخول رأس المال الإماراتي إلى قطاع سيادي جديد، بعد أن ترسخ حضوره بالفعل في قطاعات وُصفت بأنها من أكثر مفاصل الاقتصاد المصري حساسية، من الموانئ إلى الرعاية الصحية وصولا إلى العقارات الساحلية الاستراتيجية.

تحلية المياه.. القطاع الأحدث في خريطة التمدد

يكشف تفصيل المفاوضات، بحسب تصريحات رئيس مجلس إدارة "إيميا باور" حسين النويس، عن نموذج استثماري "متكامل": الشركة الإماراتية لا تكتفي بالتمويل، بل تتولى التصميم والإنشاء والتشغيل بالكامل لمحطتين على البحر المتوسط وثالثة على البحر الأحمر.

هذا النموذج، الذي يمنح المستثمر الأجنبي السيطرة الكاملة على دورة حياة المشروع من الألف إلى الياء، يتكرر في قطاع بالغ الحساسية: فمياه الشرب ليست سلعة استثمارية عادية، بل مورد وجودي تعاني مصر أصلا من عجز هيكلي فيه، إذ لا تغطي مواردها الطبيعية سوى نصف احتياجاتها السنوية البالغة 114 مليار متر مكعب.

نمط متكرر لا حادثة معزولة.. من الموانئ إلى المستشفيات

لا يمكن قراءة دخول "إيميا باور" إلى قطاع المياه بمعزل عن مسار استثماري إماراتي أوسع شهدته مصر خلال الأعوام الأخيرة.

ففي قطاع الموانئ، تقدمت شركة "بلاك كاسبيان" التابعة لموانئ أبوظبي بعرض لرفع حصتها في "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع" من نحو 19% إلى 90%، في صفقة أثارت جدلا واسعا حول تسليم بوابة تجارية استراتيجية شمال البلاد لجهة أجنبية واحدة.

وفي القطاع الصحي، قادت شركة "أبراج كابيتال" الإماراتية عمليات استحواذ طالت سلسلتي معامل التحاليل الأكبر في مصر "البرج" و"المختبر"، إلى جانب عدد من المستشفيات الخاصة الكبرى، في وقت حذر فيه تقرير سابق للرقابة الإدارية المصرية من مخاطر تتعلق بالأمن القومي وشبهات تتصل بغموض هيكل الملكية النهائي لبعض هذه الصفقات.

رأس الحكمة.. حين يتجاوز الاستثمار حدود الاقتصاد إلى الجغرافيا

يمثل مشروع "رأس الحكمة"، الذي تناولناه في تقارير سابقة حول متابعة الحكومة لتنفيذه، أكبر تجليات هذا التوسع، إذ حصلت أبوظبي بموجبه على حقوق تطوير مساحة تتجاوز 170 مليون متر مربع على الساحل الشمالي الغربي، شملت لاحقا خططا لإنشاء ميناءين ومطار دولي.

حجم هذه المساحة، وطبيعة الأصول المرتبطة بها -بما فيها أراضٍ كانت تابعة للجيش المصري بحسب تقارير متعددة- يجعل من الصعب تصنيف الصفقة كاستثمار عقاري تقليدي، ويقربها أكثر من نموذج "منطقة اقتصادية شبه مستقلة" تدار وفق شروط تفاوضية خاصة.

قطاع النسيج.. ادعاء يحتاج تحققا أكبر

فيما يخص قطاع الغزل والنسيج تحديدا، لم تُظهر المصادر المتاحة حتى لحظة إعداد هذا التقرير أدلة موثقة بنفس القدر من الوضوح الذي تحظى به قطاعات الموانئ والصحة والعقارات، ما يستدعي التعامل مع هذا الادعاء بحذر أكبر، والتحقق من صفقات محددة قبل إدراجه ضمن قائمة "الاستحواذات المؤكدة" في أي نسخة منشورة من هذا التقرير.

حجم الحضور الإماراتي في الاقتصاد المصري ككل

تشير تقديرات متداولة، من بينها تحليلات نشرتها مؤسسات تصنيف ائتماني دولية، إلى أن الإمارات تسهم بنحو 29% من إجمالي الاستثمار الأجنبي في مصر عبر أكثر من 1730 شركة تعمل في قطاعات اقتصادية متنوعة.

فيما وصفت تقارير أممية التدفقات الإماراتية بأنها كانت "حاسمة" في سد فجوة التمويل الخارجي لمصر خلال السنوات الأخيرة.

هذا الحجم الضخم من الحضور الاستثماري يضع الحكومة المصرية أمام معادلة صعبة. فهي بحاجة ماسة لهذه التدفقات لتمويل عجزها الخارجي وتخفيف أعباء الدين. لكن التركز المتزايد لهذه الاستثمارات في قطاعات سيادية بعينها مثل (طاقة، موانئ، صحة، عقارات) والآن المياه ما يطرح تساؤلا مشروعا حول الخط الفاصل بين "الشراكة الاقتصادية النافعة" و"التبعية التمويلية" التي قد تقيد مساحة القرار السيادي المصري المستقل مستقبلا.

مياه الشرب تحديدا.. لماذا يثير هذا القطاع حساسية إضافية؟

يكتسب دخول الاستثمار الأجنبي إلى قطاع تحلية المياه حساسية تتجاوز القطاعات الأخرى. كون الأمن المائي يمس مباشرة حياة كل مواطن يوميا. لا شريحة استهلاكية أو تجارية محددة كما هو الحال في قطاعات أخرى.

وبينما تؤكد الحكومة المصرية أن نموذج الشراكة مع القطاع الخاص، محليا كان أو أجنبيا. ضرورة لتسريع سد الفجوة المائية المتفاقمة، يبقى السؤال الجوهري المطروح أمام الرأي العام. من يملك الكلمة الأخيرة في تسعير وإدارة مورد وجودي كهذا على المدى الطويل. حين تتحول محطاته الرئيسية إلى أصول مملوكة كليا أو جزئيا لجهات أجنبية؟

اقرأ أيضا

مصر تتحرك دبلوماسياً لإنقاذ بحارتها المختطفين.. والخارجية تكثف اتصالاتها بالحكومة اليمنية

Exit mobile version