لم تعد المواجهة الأمريكية الإيرانية تدور في فلك الرد المحدود والمتبادل الذي ساد منذ توقيع مذكرة التفاهم الشهر الماضي.
فبين ليلة وضحاها، تحولت الضربات من موجة واحدة استهدفت 80 هدفا الثلاثاء، إلى موجة ثانية أوسع نطاقا استهدفت نحو 90 هدفا الخميس، فيما ردت طهران بضرب قاعدتين أمريكيتين في الكويت والبحرين مباشرة.
النتيجة الأخطر اقتصاديا: مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس تجارة النفط العالمية، توقف عن الحركة بشكل شبه كامل، في مؤشر على أن هذه الجولة من التصعيد قد تكون الأخطر منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.
من الرد المحدود إلى الحملة الممتدة.. تصاعد واضح في حجم الضربات
بحسب بيانات القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، استهدفت الموجة الثانية من الضربات الخميس قرابة 90 هدفا عسكريا إيرانيا، شملت أنظمة دفاع جوي ومنشآت مراقبة ساحلية ومواقع تخزين صواريخ وطائرات مسيّرة، إضافة إلى قدرات بحرية وبنية تحتية لوجستية على طول الساحل الجنوبي الإيراني. مسؤولون أمريكيون تحدثوا لرويترز وأكسيوس أكدوا أن هذه الضربات كانت "أوسع نطاقا" من ضربات اليوم السابق، بل إن أحد المسؤولين قدّرها بأنها تفوق حجم الضربات التي سبقتها بعشرة أيام بمعدل يتراوح بين أربع وخمس مرات، ما يعكس تصعيدا تصاعديا لا نمطا ثابتا من الرد المتكافئ.
طهران ترد على قاعدتين أمريكيتين مباشرة.. لا رمزية في الاستهداف
لم يقتصر الرد الإيراني هذه المرة على تصريحات التهديد المعتادة، إذ أعلن الحرس الثوري تنفيذ هجوم مشترك بالصواريخ والمسيّرات استهدف معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، إلى جانب قاعدة الشيخ عيسى الجوية ومنطقة الجفير في البحرين التي يوجد بها مقر الأسطول الأمريكي الخامس، متوعدا بتوسيع الهجمات لتشمل قواعد أمريكية أخرى في حال استمر الرد الأمريكي.
دوي صفارات الإنذار في المنامة والكويت، ودعوة وزارتي الداخلية في البلدين للمواطنين بالبقاء في أماكن آمنة، يعكسان أن التهديد هذه المرة لم يكن رمزيا، بل استدعى إجراءات طوارئ فعلية على الأرض في دولتين خليجيتين لا طرف مباشر لهما في الصراع.
مضيق هرمز شبه متوقف.. أرقام تكشف حجم الشلل الملاحي
كشفت بيانات تتبع السفن أن حركة الملاحة في المضيق تراجعت بشكل حاد، إذ لم تعبر سوى نحو 14 ناقلة بضائع يوم الأربعاء في الاتجاهين، مقارنة بمتوسط بلغ 34 سفينة يوميا خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت الاتفاق المؤقت في يونيو، ووصل إلى ذروته عند 59 سفينة في يوم واحد.
حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال توقفت بالكامل. بينما تركزت التحركات المحدودة المتبقية عبر مسار معتمد من إيران قرب شمال المضيق، في حين ظل الممر العماني المدعوم أمريكيا هادئا نسبيا.
هذا التراجع الحاد في عدد السفن العابرة يمثل المؤشر الأوضح على أن التهديد. بات فعليا لا نظريا على حركة إمدادات الطاقة العالمية.
"المذكرة انتهت".. ثم مؤشرات على قنوات تفاوض خلفية
في تطور لافت على المستوى السياسي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب الشهر الماضي "انتهت". محذرا طهران من أن أي هجوم جديد على الملاحة سيقابل برد "أسوأ بكثير".
لكن الرئيس الأمريكي نفسه أشار بعد ساعات إلى أن مسؤولين إيرانيين تواصلوا مع واشنطن وأبدوا رغبة في التوصل لاتفاق. دون أن يستبعد استمرار الاتصالات، مع تشكيكه في إمكانية صمود أي اتفاق مستقبلي.
هذا التناقض الظاهري بين لغة التصعيد العلنية ووجود قنوات تواصل خلفية يعكس نمطا معتادا في إدارة ترامب للأزمات. حيث يتوازى الضغط العسكري مع مسار تفاوضي لا يُعلن عنه بالكامل.
