بين دعوة السيسي و"أزمة الناشئين".. لماذا يصعب اكتشاف "محمد صلاح" جديد في مصر؟

خلال تكريمه بعثة منتخب مصر عقب مشاركتها في كأس العالم 2026، وجّه عبد الفتاح السيسي رسالة لافتة حول ضرورة اكتشاف مواهب كروية جديدة، قائلا: "مش ممكن يكون 120 مليون مفيش فيهم محمد صلاح تاني.. لازم نكتشف المواهب دي"، مؤكدا ضرورة وجود "كشافين متجردين" للمواهب الشابة والصغيرة، واستعداد الدولة لدعم الكفاءات ومنحها الفرصة التي تستحقها.

الفكرة في جوهرها منطقية؛ فمصر تضم أكثر من 120 مليون نسمة، وشغف المصريين بكرة القدم لا يحتاج إلى برهان.

لكن السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الدعوة هو: لماذا لا تزال الكرة المصرية، رغم هذا الكم البشري الهائل والشغف الشعبي الواسع، تعاني فعليا من ندرة النجوم على مستوى محمد صلاح؟

الإجابة تكمن في مجموعة من الأزمات البنيوية العميقة التي تعاني منها منظومة اكتشاف المواهب وتطويرها في مصر منذ سنوات، ولا يبدو أنها ستُحل بمجرد دعوة أو توجيه.

قطاعات الناشئين: الأزمة الأعمق

يتفق كثير من النقاد الرياضيين والمدربين السابقين على أن جذر المشكلة يكمن في تراجع دور قطاعات الناشئين داخل الأندية المصرية، وهي المنظومة المفترض أن تكون "المصنع" الطبيعي لصناعة نجوم المستقبل.

فقد أشار مدرب منتخب مصر السابق ضياء السيد إلى أن غياب التخطيط السليم داخل هذه القطاعات أدى إلى إهدار مواهب كثيرة، رغم توافر عناصر مميزة تحتاج فقط إلى رعاية حقيقية، لافتا إلى أن عناصر أساسية كانت متوفرة سابقا في بعض الأندية الكبرى، مثل أخصائيي التغذية العلاجية ومدربي الأحمال، لم تعد موجودة بالقدر الكافي حاليا، ما يجعل أي لاعب يُصعّد للفريق الأول يفتقر إلى جوانب بدنية وفنية أساسية.

كما رصد لاعبون ومدربون آخرون أن المجاملات والوساطات التي تسيطر أحيانا على قطاعات الناشئين في بعض الأندية أضعفت القاعدة الكروية، بما يعني أن معيار الموهبة الحقيقية لا يكون دائما هو الفيصل في اختيار من يُمنحون الفرصة.

تراجع الأندية الشعبية وصعود أندية الشركات

يضاف إلى ذلك تحول ملحوظ في خريطة الأندية المصرية؛ إذ تقلص عدد الأندية الشعبية التقليدية، المعروفة تاريخيا بإنتاج المواهب الشابة من قلب الأحياء الشعبية، لصالح أندية تابعة للشركات والمؤسسات الاستثمارية ذات الميزانيات الضخمة، والتي لا تمتلك بالضرورة نفس تقاليد العمل على قطاعات الناشئين.

ويرى نقاد رياضيون أن الدولة لم تقدم على مدى سنوات طويلة الدعم الكافي للأندية الشعبية لتطوير قطاعاتها الخاصة بالناشئين، تاركة إياها تواجه تحديات الاستمرارية بمواردها الذاتية المحدودة.

ارتفاع تكلفة اللعب يحرم الفقراء من الفرصة

من المفارقات اللافتة أن بعض المواهب الفطرية التي كانت تُكتشف تقليديا في الشوارع وملاعب الأحياء الشعبية عبر "كرة الشراب". باتت اليوم أقل حظا في الظهور، إذ تشير تقارير رياضية إلى أن ارتفاع تكلفة اللعب في ملاعب النجيل الصناعي. وتحول الدورات والبطولات الصغيرة إلى فعاليات تعتمد على الإمكانيات المادية. يحد من فرص الأطفال الموهوبين من الأسر محدودة الدخل في الظهور والوصول إلى من يكتشفهم. رغم امتلاكهم موهبة حقيقية لا تقل عن أقرانهم من الفئات الأكثر يسرا.

فجوة بين الخطاب الرسمي والإصلاح الهيكلي

في ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة دعوة السيسي لوجود "كشافين متجردين" باعتبارها اعترافا ضمنيا بوجود خلل في منظومة اكتشاف المواهب. لكنها تظل في الوقت نفسه دعوة عامة لا ترتبط بخطة معلنة تتعامل مع الأسباب الجذرية للأزمة. من تمويل قطاعات الناشئين، إلى تأهيل المدربين المتخصصين في هذه المرحلة العمرية. وصولا إلى إتاحة ملاعب مجانية أو منخفضة التكلفة للأطفال في المناطق الشعبية.

فبدون معالجة هذه الحلقات المتشابكة، يظل احتمال أن تبقى مثل هذه الدعوات في إطار الخطاب التحفيزي العام قائما. دون أن تتحول بالضرورة إلى تغيير ملموس في عدد ونوعية المواهب التي تصل فعليا إلى مستوى المنافسة العالمية.

تكشف المقارنة بين حماس الخطاب الرئاسي حول ضرورة اكتشاف "محمد صلاح جديد". وبين واقع قطاعات الناشئين المتعثرة في كثير من الأندية المصرية. عن فجوة حقيقية بين الطموح المعلن والبنية التحتية القادرة على تحقيقه.

فمصر لا تفتقر إلى الموهبة أو الشغف الشعبي بكرة القدم. بقدر ما تفتقر إلى منظومة متكاملة قادرة على اكتشاف هذه المواهب مبكرا. ورعايتها بعيدا عن الوساطة والمجاملة، وإتاحتها لجميع الفئات الاجتماعية بلا تمييز. وهي المعادلة التي يبدو أن حلها يحتاج إلى أكثر من دعوة عابرة في حفل تكريم. ليتحول إلى خطة عمل مؤسسية ممتدة تشمل جميع الأندية والمحافظات.

اقرأ أيضا

بعدما قالها السيسي.. الإعلام يحتفي بفكرة سبق أن كررها أبو تريكة حول اكتشاف المواهب

Exit mobile version