منع قوارب الهجرة مقابل الدعم.. كيف تستخدم مصر ملف المتوسط في التفاوض مع أوروبا؟
عاد ملف الهجرة غير الشرعية ليحتل صدارة الرسائل المصرية الموجهة إلى العواصم الأوروبية، بعدما أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه رئيس البرلمان النمساوي، أن مصر نجحت في منع خروج أي قوارب هجرة غير شرعية من سواحلها باتجاه أوروبا، مشددًا على الأعباء الاقتصادية التي تتحملها القاهرة نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين.
تصريحات عبد العاطي جاءت ضمن جولة أوروبية لم تكشف وزارة الخارجية تفاصيلها الكاملة أو أهدافها الرئيسية، إلا أن ملف الهجرة بدا حاضرًا بقوة في الخطاب المصري، باعتباره أحد الملفات التي تسعى القاهرة إلى وضعها على طاولة الحوار مع شركائها الأوروبيين.
منع الهجرة.. ورقة تفاوضية في العلاقات مع أوروبا
منذ سنوات، تقدم مصر نفسها للاتحاد الأوروبي باعتبارها شريكًا رئيسيًا في ضبط حدود البحر المتوسط، ومنع تدفقات الهجرة غير النظامية نحو القارة الأوروبية، وهو الملف الذي أصبح يحظى بأولوية لدى الحكومات الأوروبية في ظل تصاعد الضغوط السياسية الداخلية المرتبطة بالهجرة.
ويرى مراقبون أن إبراز نجاح مصر في وقف رحلات الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها يمثل جزءًا من استراتيجية دبلوماسية تهدف إلى تعزيز أهمية القاهرة لدى العواصم الأوروبية، وربط ملف الأمن الأوروبي بالاستقرار الاقتصادي والسياسي في مصر.
وفي هذا السياق، تستخدم القاهرة ملف الهجرة للتأكيد على أنها لا تتحمل فقط مسؤولية حماية حدودها، وإنما تتحمل أيضًا أعباء استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، وهو ما يستدعي ـ وفق الرؤية المصرية ـ دعمًا أوروبيًا أكبر وتقاسمًا للأعباء.
هل تبحث القاهرة عن دعم مالي جديد من أوروبا؟
ورغم أن وزارة الخارجية لم تعلن بشكل تفصيلي طبيعة الملفات المطروحة خلال زيارة بدر عبد العاطي، فإن طرح قضية الهجرة في اللقاءات الأوروبية يعيد فتح التساؤلات حول الجانب الاقتصادي من الجولة.
ويرى محللون أن تقديم مصر باعتبارها "حائط صد" أمام موجات الهجرة نحو أوروبا قد يكون جزءًا من مسعى للحصول على مزيد من التمويلات والمساعدات الأوروبية، سواء عبر برامج دعم اقتصادي أو منح مرتبطة بإدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية.
وتعتمد العديد من الدول المطلة على البحر المتوسط على هذا النوع من الشراكات مع الاتحاد الأوروبي، حيث تقدم الدول الواقعة على طرق الهجرة خدمات أمنية ولوجستية مقابل دعم مالي وتنموي يساعدها على التعامل مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن استضافة المهاجرين.
ملف اللاجئين.. بين البعد الإنساني والحسابات الاقتصادية
تؤكد القاهرة باستمرار أنها تستضيف ملايين الأجانب واللاجئين وتتحمل تكلفة اقتصادية كبيرة نتيجة توفير الخدمات الأساسية لهم، من التعليم والصحة إلى البنية التحتية وفرص العمل
وتطالب مصر منذ سنوات بضرورة انتقال أوروبا من سياسة إدارة أزمة الهجرة إلى معالجة أسبابها. عبر دعم التنمية والاستقرار في الدول التي تشهد نزاعات أو أزمات اقتصادية تدفع السكان إلى البحث عن فرص خارج حدودها.
لكن في المقابل، يرى منتقدون أن ملف الهجرة أصبح أداة تفاوضية تستخدمها بعض الحكومات للحصول على دعم خارجي. خاصة في ظل حاجة الدول الأوروبية إلى شركاء إقليميين قادرين على الحد من تدفقات المهاجرين.
بين الأمن الأوروبي والاحتياجات الاقتصادية المصرية
تحاول القاهرة من خلال خطابها الأوروبي الجمع بين رسالتين؛ الأولى أنها شريك أمني مهم في حماية حدود المتوسط. والثانية أنها تحتاج إلى دعم اقتصادي لمواجهة التحديات الداخلية الناتجة عن الأزمات الإقليمية والضغوط الاقتصادية.
وبينما تركز أوروبا على تقليل أعداد الوافدين غير النظاميين. تسعى مصر إلى تحويل هذا الدور إلى مكاسب سياسية واقتصادية. عبر التأكيد أن ضبط الهجرة ليس مسؤولية أمنية فقط، بل ملف يحتاج إلى شراكة طويلة الأمد وتقاسم للأعباء.
زيارة بلا تفاصيل معلنة.. وأسئلة حول الملفات الأخرى
غياب الإعلان الرسمي عن جدول أعمال كامل لجولة وزير الخارجية الأوروبية. يترك مساحة للتكهن حول الملفات الأخرى التي قد تكون مطروحة، سواء المتعلقة بالاقتصاد، أو الاستثمارات. أو الدعم الأوروبي، إلى جانب القضايا الإقليمية مثل الحرب في غزة وأمن البحر المتوسط.
لكن حضور ملف الهجرة في لقاءات عبد العاطي يشير. إلى أن القاهرة تراهن على هذا الملف باعتباره أحد أهم أوراقها في الحوار مع أوروبا. في محاولة لترسيخ صورتها كشريك لا غنى عنه في إدارة تحديات المتوسط.



