"دولة داخل الدولة".. الجدل المتجدد حول جدوى العاصمة الإدارية الجديدة وعزلتها عن الشعب

زخم رسمي.. وإشغال سكني محدود

تكتسب العاصمة الإدارية المصرية الجديدة، يوما بعد يوم، زخما سياسيا عبر فعاليات تعزز مكانتها رسميا وشعبيا، وإن ظل الإشغال السكني فيها محدودا.

وبحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة "العاصمة الإدارية الجديدة"، خالد عباس، فإن عدد السكان المقيمين حاليا تجاوز 30 ألف مواطن، مع توقعات بوصول العدد إلى ما بين 50 و60 ألف بنهاية العام الحالي.

وتستهدف العاصمة في مرحلتها الأولى نحو نصف مليون نسمة، فيما يتوقع الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد المنعم سعيد أن يصل تعداد سكانها إلى مليون نسمة بحلول 2030.

في المقابل، تحولت العاصمة إلى مقر شبه حصري للمؤسسات السيادية والحكومية؛ إذ افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرا مقر "القيادة الاستراتيجية للدولة"، الذي يحاكي بحسب بيانات رسمية أحدث مراكز السيطرة عالميا، عقب انتقال الوزارات والبرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية إليها تدريجيا منذ 2024.

الفجوة بين الثقل الحكومي والحضور السكاني

يكشف هذا التباين الحاد بين ضخامة الحضور الحكومي والسيادي في العاصمة الجديدة، وبين محدودية إشغالها السكاني الفعلي، عن نمط تنموي غير مسبوق يثير تساؤلات متكررة لدى باحثين وأكاديميين وكتّاب سياسيين، مفادها: هل تُبنى العاصمة الجديدة لتكون مدينة يعيش فيها المصريون فعلا، أم أنها في جوهرها مقر حصين للحكم، منفصل جغرافيا وسياسيا عن محيطه الشعبي؟

باحثون: تصميم عمراني تحكمه "هواجس أمنية"

في هذا السياق، خلص الباحث إسماعيل الإسكندراني، في تحليل نشرته "الجزيرة نت"، إلى أن النمط العمراني الذي تقوم عليه العاصمة الإدارية الجديدة يمثل نموذجا "شاذا وفريدا"؛ فبينما تُروَّج العواصم السياسية والاقتصادية عادة بموقعها الجغرافي المتميز وسهولة الوصول إليها، جاء موقع العاصمة الجديدة، بحسب الإسكندراني، "مسكونا بهواجس أمنية لا يمكن لناظر إغفالها"، إذ يقبع في عزلة تامة عن شبكة الطرق التاريخية التي تربط المحافظات المصرية ببعضها، بما يجعلها "في مأمن تام من أي احتكاك أو اتصال غير مرغوب فيه مع الجماهير"، على حد وصفه.

طارق الزمر: إعادة تصميم للجغرافيا السياسية بعد 25 يناير

من زاوية مشابهة، كتب طارق الزمر، في مقال بموقع "عربي21"، أن العاصمة الإدارية الجديدة يمكن فهمها باعتبارها "استجابة استراتيجية لأحد أهم الدروس الاستبدادية" التي استخلصتها الدولة من ثورة 25 يناير، موضحا أن تمركز مؤسسات الحكم داخل مدينة مزدحمة يسهل الوصول إليها ويعيش فيها أكثر من عشرين مليون نسمة، يجعلها أكثر عرضة للضغط الجماهيري في لحظات الغضب والاحتجاجات الكبرى.

وأضاف الزمر أن الأمر "لا يتعلق بنقل الوزارات أو القصور الرئاسية فحسب، بل بإعادة تصميم الجغرافيا السياسية للدولة" ذاتها، معتبرا أن نقل مركز القيادة الاستراتيجية بعيدا عن القاهرة يقلل من احتمالات تكرار سيناريو ميدان التحرير، ويجعل حماية المؤسسات أسهل والسيطرة على المداخل أكثر إحكاما.

مصطفى كامل السيد: إشكالية دستورية وسياسية في آن واحد

من جانبه، تناول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور مصطفى كامل السيد، في تصريحات لصحيفة "الشرق الأوسط"، الجدل القانوني والسياسي حول طبيعة العاصمة، موضحا أن التوجه نحو تمييزها قانونيا وجعلها أشبه بـ"مقاطعة" خاصة يمثل مخرجا للوضع القائم حاليا، في ظل نص دستوري يحصر صفة "عاصمة الدولة" في محافظة القاهرة، مقابل صعوبة استمرار تبعية العاصمة الجديدة إداريا لمحافظ القاهرة.

وهو الطرح الذي عزز، بحسب الصحيفة، مخاوف البعض من أن يفضي إلى "عزل العاصمة" وجعلها مدينة للنخبة دون عامة الشعب، في مقابل من يرون أن الإطار التشريعي الخاص ضرورة لإدارة مدينة حديثة تعتمد بشكل رئيسي على التكنولوجيا.

حمدي عرفة: تحول ناعم في فلسفة المدينة

أما خبير التنمية المحلية حمدي عرفة، فأوضح لـ"الشرق الأوسط" أن التحولات الأخيرة في مسمى وطبيعة العاصمة "ليست عفوية". وإنما تعكس توجها حكوميا تتغير بموجبه فلسفة المدينة الممتدة على أكثر من 700 كيلومتر مربع.

كما لفت إلى تحدٍ إضافي يتمثل في عدم قدرة جميع موظفي الدولة، البالغ عددهم أكثر من أربعة ملايين موظف. على الانتقال فعليا إلى العاصمة الجديدة، في ظل ارتفاع مستويات المعيشة بها مقارنة بالقاهرة.

الرواية الرسمية: مشروع تنموي شامل لا مجرد حصن أمني

في المقابل، ترفض الجهات الرسمية هذا التوصيف. معتبرة أن اختزال المشروع في تفسير أمني بحت "يتجاهل فلسفة متكاملة لإعادة بناء الدولة وإدارتها وفق رؤية تنموية طويلة المدى". بحسب ما نشرته الهيئة الوطنية للإعلام. التي وصفت العاصمة بأنها "مدينة متكاملة" تضم الجامعات والمستشفيات والمراكز الثقافية والترفيهية إلى جانب المقار السيادية.

كما رد السيسي في وقت سابق على منتقدي المشروع، مؤكدا أن اختزال ما تحقق في مشروعات "طرق ومبانٍ" غير منصف. ولا يعكس ما وصفه بالإنجازات الحقيقية في بناء قدرة الدولة المصرية على مدى عقد كامل.

كما دافع رئيس شركة العاصمة، خالد عباس، عن نسب الإشغال الحالية معتبرا إياها "ليست قليلة". مقارنا مساحة المرحلة الأولى وحدها بأربعة أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو الشروق. ومؤكدا اكتمال البنية التحتية للمرحلة الأولى وبيع نحو 70% من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

اقرأ أيضا

خطة مدبولي لخفض الأسعار.. وعد حكومي يصطدم بعودة الحرب التي كانت "المبرر" للغلاء

Exit mobile version