سياق التقرير: دعوة السيسي لفتح المجال الإعلامي
بعد نحو 10 سنوات من إنشاء الجهات الثلاث المسؤولة عن تنظيم وإدارة الإعلام في مصر، وفي ظل سياق أوسع تتراجع فيه مساحات حرية التعبير والإعلام، يسعى عبد الفتاح السيسي، بحسب تصريحاته الأخيرة في يوليو الجاري، إلى فتح مجال أكبر للإعلام، عبر عقد مؤتمر سنوي للإعلام بدءا من 3 ديسمبر 2026.
وتنفيذا لهذه التوجيهات، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعا الثلاثاء 14 يوليو الجاري مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان ورؤساء الجهات الثلاث لبحث آليات التنفيذ.
في هذا السياق، حللت منصة "متصدقش" القوائم المالية المتاحة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، منذ إنشائها عام 2016/2017، إلى جانب ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات عليها منذ 2018/2019 وحتى 2024/2025، لترصد صورة مالية تكشف عن خسائر ومخالفات متراكمة.
نشأة الجهات الثلاث
في ديسمبر 2016، وتطبيقا لدستور 2014 الذي نص على تنظيم وضع الصحافة والإعلام المرئي والمسموع والخاص والمواقع الإلكترونية، أصدر الرئيس السيسي "قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام"، الذي أنشأ الجهات الثلاث، قبل أن يُلغى عام 2018 ويُستبدل بقانون منفصل لكل جهة.
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: إنفاق يفوق التقديرات بأضعاف
يُظهر تحليل القوائم المالية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فروقات واضحة بين الموازنة المقدرة والإنفاق الفعلي؛ ففي العام المالي 2024/2025، بلغت تقديرات مصروفات المجلس 315 مليون جنيه، في حين سجل الإنفاق الفعلي 1.556 مليار جنيه، أي نحو 5 أضعاف الربط الأصلي.
وتكرر النمط ذاته في العام المالي 2023/2024، إذ بلغت المصروفات الفعلية 1.56 مليار جنيه مقابل تقديرات أولية بلغت 281 مليون جنيه، بارتفاع نسبته 455%.
ويعزو الجهاز المركزي للمحاسبات هذا الفارق إلى لجوء المجلس بشكل متكرر خلال السنة المالية لتعزيز موازنته من الاحتياطات العامة، لبنود غير طارئة ومعلومة مسبقا، ومنها تعزيز موازنته في 2023/2024 بنحو 1.091 مليار جنيه مقابل خدمات إعلامية وإذاعية، وهو ما اعتبره الجهاز مخالفة لأحكام قانون المالية الموحد رقم 6 لسنة 2022.
كما رصدت ملاحظات سابقة للعام المالي 2020/2021 حصول الهيئة الوطنية للصحافة على 1.091 مليار جنيه من احتياطات المجلس لمواجهة التزاماتها تجاه العاملين، في مخالفة مماثلة لقواعد استخدام الاحتياطيات.
وسبق لرئيسة لجنة الثقافة والإعلام السابقة بمجلس النواب، درية شرف الدين، أن انتقدت في مايو 2023 طريقة عرض موازنة المجلس، واصفة إياها بالمعقدة، وقائلة إنها تشعر أن ذلك يتم "عشان منفهمش حاجة منها".
كما اعتبر المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحرية التعبير، ديفيد كاي، في مذكرة أرسلها للحكومة المصرية عام 2018، أن قانون المجلس يمثل قيدا إضافيا على حرية الإعلام ويُجرم ممارسة العمل الصحفي، فيما أوصت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة عام 2023 بمراجعة التشريعات لضمان عدم استخدام القوانين الجنائية لإسكات الصحفيين المستقلين.
الهيئة الوطنية للإعلام: نصف خسائر الهيئات الاقتصادية
تُمثل الهيئة الوطنية للإعلام، المسؤولة عن إدارة ماسبيرو، الضلع الأكثر إثقالا بالخسائر بين الجهات الثلاث؛ إذ بلغ إجمالي خسائرها المرحلة 119.9 مليار جنيه، أي ما يعادل 44.9% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية في مصر البالغة 267.15 مليار جنيه، بحسب أحدث تقرير ختامي متاح للعام المالي 2024/2025.
وتكشف القوائم المالية استمرار ارتفاع خسائر الهيئة عاما بعد آخر منذ إنشائها، من 5.43 مليار جنيه في 2016/2017، إلى 14.68 مليار جنيه في 2024/2025، لتمثل وحدها 90.7% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية في ذلك العام.
ويعود جزء كبير من هذه الخسائر إلى إرث ديون اتحاد الإذاعة والتلفزيون القديم، إذ أوضح رئيس الهيئة أحمد المسلماني خلال اجتماع للجنة الإعلام بمجلس النواب في أبريل 2026 أن أصل الدين المستحق على ماسبيرو يبلغ 42.6 مليار جنيه، معظمه لصالح بنك الاستثمار القومي.
وبلغت قيمة فوائد هذا الدين وحدها 48.3 مليار جنيه خلال الفترة من 2016/2017 إلى 2023/2024، أي ما يمثل 72.3% من إجمالي خسائر الهيئة خلال تلك الفترة.
تدهور أوضاع العاملين
تزامنت هذه الخسائر المتواصلة مع تدهور أوضاع العاملين بالهيئة. ففي عام 2022 تظاهر عدد من العاملين بماسبيرو على مدار شهرين احتجاجا على ظروف العمل وتسريح نحو 10 آلاف عامل. إلى جانب تأخر صرف مستحقات أصحاب المعاشات لمدة أربع سنوات.
كما تراجعت مخصصات أجور العاملين كنسبة من إجمالي المصروفات، من 29.6% عام 2016/2017 إلى 22.6% في 2024/2025. رغم تضاعف إجمالي المصروفات خلال الفترة نفسها. في حين ظلت الإيرادات شبه راكدة بين 1.68 و2.34 مليار جنيه طوال هذه السنوات.
استخدام أموال في غير غرضها
رصد الجهاز المركزي للمحاسبات مرارا استخدام وزارة المالية لمخصصات. مقررة لسداد أقساط قروض الهيئة لدى بنك الاستثمار القومي في أغراض أخرى. إذ استُخدم نحو 331 مليون جنيه من هذه المخصصات في 2023/2024 لتمويل عجز النشاط الجاري بدلا من سداد الديون. وتكرر الأمر بمبالغ متفاوتة في الأعوام السابقة، وصلت إلى 290 مليون جنيه في 2019/2020. خُصص جزء كبير منها لشراء سيارات إذاعة خارجية لتغطية كأس الأمم الأفريقية 2019.
كما رصد الجهاز فارقا محاسبيا بلغ 1.6 مليار جنيه بين حصة الحكومة في رأسمال الهيئة. كما وردت في قوائمها المالية ودفاتر وزارة المالية.
الهيئة الوطنية للصحافة: منح مليارية دون حل جذري للخسائر
على الرغم من أن الهيئة الوطنية للصحافة أُنشئت لتطوير المؤسسات الصحفية القومية وتنمية مواردها. تكشف حساباتها الختامية فشلها في الحد من خسائر هذه المؤسسات المتراكمة.
فقد سجلت مصروفات الهيئة في 2024/2025 نحو 1.665 مليار جنيه، بزيادة 668 مليون جنيه عن التقديرات الأولية. استحوذ باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية على 96.5% منها بقيمة 1.6 مليار جنيه، مقابل 30 مليون جنيه فقط لأجور العاملين.
وفي 2023/2024، ارتفعت المصروفات بنسبة 152% عن التقديرات الأولية.
وبلغت الخسائر المجمعة للمؤسسات الصحفية القومية 16.1 مليار جنيه حتى عام 2023/2024. وسط تكرار ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات بأن المنح المخصصة من الموازنة العامة لم تحل مشاكل هذه الخسائر رغم استمرارها لسنوات. إذ صُرف 1.445 مليار جنيه في 2023/2024، و1.2 مليار جنيه في 2022/2023، دون أن تسهم في معالجة العجز المزمن.
إرث تراكمي منذ 2012
تمتد جذور المشكلة إلى ما قبل إنشاء الهيئة نفسها. إذ تضخمت مخصصات الدعم والمنح للمؤسسات الصحفية من 222 مليون جنيه عام 2012/2013 إلى 1.099 مليار جنيه عام 2021/2022. وبلغ إجمالي المنح وحدها منذ 2012/2013 وحتى 2018/2019 نحو 3.7 مليارات جنيه.
كما منحت وزارة المالية عبر الهيئة قروضا بنحو 183 مليون جنيه لمؤسسات صحفية. من بينها "الأهرام" و"أخبار اليوم" و"دار التحرير"، بموجب عقد يعود لعام 2015، دون سداد أي أقساط أو فوائد حتى الآن.
وفي موازاة ذلك، اتسع دين المؤسسات الصحفية القومية لمصلحة الضرائب ليبلغ 17.85 مليار جنيه بنهاية 2023/2024. منها 12 مليار جنيه متأخرات ضريبية.
سياق أوسع: تراجع في مؤشرات حرية الصحافة
يأتي هذا المشهد المالي المتأزم في ظل تراجع مستمر في مؤشرات حرية الصحافة بمصر. إذ احتلت البلاد خلال عام 2026 المرتبة 169 من بين 180 دولة. في مؤشر منظمة "مراسلون بلا حدود" العالمي لحرية الصحافة. بينما بلغ عدد الصحفيين المحبوسين في مصر 19 صحفيا، وفق تصريحات سابقة لنقيب الصحفيين خالد البلشي.



