تصعيد برلماني إثيوبي يهدد جهود الوساطة الأمريكية.. هل تدخل أزمة سد النهضة نفقا جديدا؟

هجوم إثيوبي لاذع على الموقف المصري

هاجم عضو مجلس النواب الإثيوبي محمد العروسي الاتهامات الموجهة إلى بلاده بالتصرف الأحادي في ملف مياه النيل وسد النهضة، معتبرا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية "إينا"، أن هذه الاتهامات لا تعكس وقائع القانون الدولي أو تاريخ استخدام مياه النيل، وأن الموقف المصري يقوم على المطالبة بـ"حقوق حصرية" في مياه النهر.

ورأى العروسي أن الحديث المصري المتكرر عن "طريق مسدود" في المفاوضات، في إشارة إلى تصريحات سابقة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، يعبر عن "حنين" لمرحلة هيمنة حصرية على النهر عفا عليها الزمن، مستندا إلى أن أكثر من 86% من مياه النيل الأزرق تنبع من الأراضي الإثيوبية.

توقيت التصعيد: لا يبدو عشوائيا

يكتسب هذا التصعيد اللفظي أهمية خاصة من زاوية توقيته؛ إذ يأتي في لحظة تشهد فيها الأزمة حراكا دبلوماسيا نشطا تقوده واشنطن لإعادة إطلاق مسار تفاوضي متعثر منذ توقفه رسميا عام 2024.

فمنذ مطلع 2026، بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي عرض فيها استئناف الوساطة الأمريكية "لتجنب صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا" على حد تعبيره، تلاها لقاء مباشر بين الرئيسين على هامش منتدى دافوس، ثم تأكيد لاحق خلال قمة مجموعة السبع في يونيو الماضي على أن الملف يمثل أولوية لإدارته، إلى جانب سلسلة اتصالات ولقاءات أجراها كبير مستشاري ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، مع مسؤولين من الجانبين المصري والإثيوبي.

في هذا السياق بالتحديد، يصعب فصل الخطاب الإثيوبي الأخير، الصادر عن عضو في البرلمان ومدعوم بمقال رأي إضافي نشرته الوكالة الرسمية نفسها، عن محاولة مدروسة لتحصين الموقف التفاوضي الإثيوبي قبيل أي جلسات محتملة برعاية أمريكية، عبر ترسيخ رواية مضادة للسردية المصرية في الرأي العام الدولي، وتصوير القاهرة بأنها الطرف المتشبث بإرث استعماري "عفا عليه الزمن"، لا إثيوبيا.

أثر التصعيد على مسار الوساطة الأمريكية

يحمل هذا النوع من التصعيد الخطابي المتبادل تداعيات مباشرة على فرص نجاح أي وساطة جديدة، لعدة أسباب:

أولا، تآكل الثقة قبل بدء المسار فعليا

فوفق خبراء متابعين للملف، مثل أحمد المفتي، خبير القانون الدولي وعضو الوفد السوداني السابق في مفاوضات سد النهضة، فإن التدخل الأمريكي الحالي هو "الرابع من نوعه" منذ بدء الأزمة، مذكرا بأن واشنطن استضافت من قبل جولات تفاوض استمرت أربعة أشهر انتهت باتفاق وقّعته مصر بالأحرف الأولى بينما رفضته إثيوبيا، إلى جانب تجربة مبعوث أمريكي سابق لم يحقق نتائج ملموسة.

وفي ظل هذا السجل من "الوعود التي لم تُترجم إلى خطوات عملية"، فإن أي تصعيد إعلامي مبكر من أحد الطرفين، كما حدث بتصريحات العروسي، يهدد بإجهاض الزخم الدبلوماسي قبل أن يترسخ، ويعيد إنتاج حالة انعدام الثقة التي أفشلت الجولات السابقة.

ثانيا، تصليب المواقف الداخلية

فالخطاب القومي الحاد الذي يصف الموقف المصري بأنه "دعاية سياسية" ومحاولة لفرض "هيمنة مائية". يخدم على الأرجح أغراضا داخلية إثيوبية، عبر حشد التأييد الشعبي حول مشروع يمثل رمزا للسيادة الوطنية. لكنه في المقابل يقلص هامش المناورة المتاح للمفاوضين الإثيوبيين أنفسهم لاحقا، إذ يصعب على أي طرف سياسي التراجع أو تقديم تنازلات بعد أن يكون قد خاطب جمهوره الداخلي بلغة "الحقوق غير القابلة للتفاوض" و"رفض الهيمنة الأجنبية".

ثالثا، مخاطر إعادة تأطير الأزمة إعلاميا

يسعى الخطاب الإثيوبي، عبر مقالات ووكالات رسمية. إلى إعادة تصوير مصر كطرف يمارس "الهيمنة" بدلا من طرف يدافع عن أمنه المائي. وهو ما قد يؤثر تدريجيا على الرأي العام الدولي والمنظمات المعنية بالمياه العابرة للحدود. ويضع الوساطة الأمريكية أمام تحدٍّ إضافي يتمثل في ضرورة إدارة "معركة الرواية" بالتوازي مع إدارة المفاوضات الفنية والقانونية للملف.

الموقف المصري: تجميد لا تعطيل

في المقابل، تتمسك القاهرة بموقفها الثابت الداعي إلى ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم. ينظم قواعد ملء وتشغيل السد وآليات التعامل مع سنوات الجفاف. مؤكدة أن مطلبها لا يستهدف عرقلة التنمية الإثيوبية بقدر ما يستهدف حماية حقوقها المائية في ظل واقع مائي بالغ الصعوبة. إذ يبلغ الطلب على المياه في مصر نحو 88.5 مليار متر مكعب سنويا. بينما تراجع نصيب الفرد من المياه من نحو 2000 متر مكعب سنويا عام 1962 إلى ما يقارب 500 متر مكعب فقط حاليا. أي أقل بكثير من خط الفقر المائي المحدد عالميا بـ1000 متر مكعب.

وقد أعلنت مصر رسميا في وقت سابق تعليق مسار المفاوضات المباشرة مع إثيوبيا. مشيرة إلى "غياب الإرادة السياسية" لدى الجانب الإثيوبي. وهو ما يجعل أي استئناف للحوار مرهونا بالكامل بنجاح الوساطة الأمريكية في خلق إطار جديد يقنع القاهرة بجدوى العودة إلى الطاولة.

اقرأ أيضا

بعد رأس الحكمة.. الحكومة تدرس مشروعًا جديدًا على 49 ألف فدان لجذب استثمارات أجنبية

Exit mobile version