لم يعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة مجرد لحظة يلتقط فيها الطلاب أنفاسهم بعد أسابيع من التوتر، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى مشهد احتفالي واسع، تملؤه الطبول، والألعاب النارية، والدراجات النارية، والهدايا الباهظة، في ظاهرة أثارت تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأعادت النقاش حول تأثير ثقافة "التريند" في تشكيل سلوكيات الشباب.
وشهدت محافظات عدة احتفالات لطلاب الثانوية العامة عقب انتهاء الامتحانات، تضمنت استئجار فرق موسيقية شعبية، وعروضًا استعراضية، وإطلاق ألعاب نارية، واستقبال بعض الطالبات بالورود والهدايا، بينما وثقت مقاطع فيديو مشاهد أخرى، مثل تحطيم "القُلة" تعبيرًا عن انتهاء فترة الضغط النفسي، وتقديم هاتف حديث كهدية احتفال.

من الفرحة إلى صناعة المحتوى
لا يختلف كثيرون على أن انتهاء الثانوية العامة يمثل مناسبة تستحق الاحتفال، نظرًا لما تمثله هذه المرحلة من ضغوط على الطلاب وأسرهم، لكن اللافت هذا العام هو تحول كثير من الاحتفالات إلى مشاهد صُممت لتُوثق بالكاميرا قبل أن تُعاش على أرض الواقع.
فمقاطع الفيديو التي انتشرت عبر منصات التواصل لم تركز فقط على الفرحة، بل على تقديم مشاهد استثنائية قادرة على جذب التفاعل وتحقيق ملايين المشاهدات، وهو ما جعل بعض المراقبين يتحدثون عن انتقال الاحتفال من كونه تعبيرًا عفويًا إلى مناسبة تخضع لمنطق "التريند".
ضغوط نفسية... ولكن
يرى خبراء تربويون أن حجم الاحتفالات يعكس أيضًا حجم الضغوط النفسية التي ترافق الثانوية العامة، والتي ينظر إليها كثير من الأسر باعتبارها مرحلة تحدد مستقبل الأبناء.
وتسهم المنافسة على الدرجات، وارتفاع تنسيق بعض الكليات، والضغوط الأسرية، في جعل نهاية الامتحانات لحظة انفراج نفسي، حتى قبل إعلان النتائج.
لكن هذا التفسير لا يجيب وحده عن أسباب تنامي المظاهر الاستعراضية، التي باتت تتكرر في مناطق مختلفة وبصور متشابهة. ما يشير إلى تأثير واضح لما يُتداول عبر المنصات الرقمية.
السوشيال ميديا تصنع النموذج
يرى متابعون أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دورًا في إعادة إنتاج السلوكيات. فما يحقق انتشارًا واسعًا في محافظة، ينتقل سريعًا إلى محافظات أخرى، ليصبح نموذجًا يسعى آخرون إلى تقليده أو تجاوزه.
وبهذا المعنى، لا تقتصر المنافسة على المجموع الدراسي، بل تمتد إلى طريقة الاحتفال. بحيث يصبح الهدف لدى البعض هو تقديم مشهد أكثر غرابة أو لفتًا للانتباه من غيره.

بين حرية الاحتفال وحدود المسؤولية
أثارت بعض المقاطع المتداولة انتقادات بسبب استخدام الألعاب النارية في الشوارع، أو أداء حركات استعراضية بالدراجات النارية. لما قد تمثله من مخاطر على السلامة العامة، فضلًا عن إزعاج السكان.
كما رأى آخرون أن بعض مظاهر الاحتفال تتجاوز الطابع التقليدي للفرحة. وتتحول إلى استعراض يهدف إلى حصد التفاعل الرقمي أكثر من الاحتفاء الحقيقي بالمناسبة.
وفي المقابل، يعتبر آخرون أن هذه التصرفات تظل تعبيرًا عن فرحة الشباب بانتهاء واحدة من أكثر المراحل الدراسية ضغطًا. ما دامت لا تخالف القانون أو تعرض الآخرين للخطر.
هل غيّر "التريند" ثقافة الاحتفال؟
تكشف الظاهرة عن تحول أوسع في طبيعة المناسبات الاجتماعية. حيث أصبحت الكاميرا عنصرًا حاضرًا في كثير من تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح توثيق الحدث ونشره جزءًا من الحدث نفسه.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يقتصر على احتفالات الثانوية العامة، بل يمتد إلى مناسبات أخرى، مثل حفلات التخرج. والخطوبة، والزفاف، وحتى المواقف اليومية، في ظل سعي كثيرين إلى تحقيق انتشار واسع على المنصات الرقمية.



