ورقة اللاجئين على طاولة أوروبا.. كيف تسوق مصر أعباء الاستضافة للحصول على التمويل؟
عاد ملف اللاجئين والهجرة إلى صدارة خطاب الدبلوماسية المصرية، بعدما جدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي مطالبة القاهرة بالحصول على دعم دولي أكبر مقابل ما تصفه بالأعباء الاقتصادية والتنموية الناتجة عن استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين.
وخلال لقاء مع المدير العام للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة في فيينا، أكد عبد العاطي أن مصر تتحمل أعباء كبيرة نتيجة استضافتها أعدادًا ضخمة من اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، مطالبًا بتفعيل مبدأ "تقاسم الأعباء والمسؤوليات" بين الدول.
لكن في المقابل، يثير هذا الخطاب جدلًا حول طبيعة الأرقام المستخدمة، ومدى دقة وصف جميع المقيمين الأجانب في مصر بأنهم لاجئون، إضافة إلى تساؤلات حول تحول ملف الهجرة إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية في العلاقات مع أوروبا.
بين 10.5 مليون وافد ومليون لاجئ مسجل
تستند الحكومة المصرية في خطابها إلى أن البلاد تستضيف نحو 10.5 مليون أجنبي ومهاجر ولاجئ، وهو الرقم الذي سبق أن أعلنه عبد الفتاح السيسي، وتستخدمه القاهرة للتأكيد على حجم الضغوط التي تتحملها الدولة.
لكن بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تختلف من حيث التصنيف، إذ تشير إلى أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في مصر يبلغ نحو 1.1 مليون شخص.
ويرجع هذا الاختلاف إلى أن الرقم الحكومي يشمل فئات أوسع من اللاجئين، مثل المقيمين الأجانب والمهاجرين والوافدين لأسباب مختلفة، وليس فقط الأشخاص المسجلين قانونيًا كلاجئين وفق تعريفات الأمم المتحدة.
ويرى منتقدون أن الخلط بين هذه الفئات يؤدي إلى تضخيم صورة الأعباء، بينما ترى الحكومة أن جميع هذه الفئات تمثل ضغطًا على البنية التحتية والخدمات العامة بغض النظر عن وضعها القانوني.
الهجرة.. ورقة مصر في مواجهة أوروبا
لا تنفصل تحركات القاهرة عن سياق أوسع يتعلق بعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي، الذي ينظر إلى مصر باعتبارها دولة محورية في منع تدفقات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط.
وخلال السنوات الأخيرة، حرصت مصر على تقديم نفسها كشريك أمني لأوروبا في ملف الهجرة، مؤكدة أنها نجحت في وقف خروج قوارب الهجرة غير الشرعية من سواحلها، مقابل المطالبة بمزيد من الدعم المالي والاستثماري.
ويرى محللون أن القاهرة تستخدم ملف اللاجئين كورقة تفاوض للحصول على تمويلات ومساعدات، عبر التأكيد على أن استمرار استضافة هذه الأعداد يفرض تكلفة اقتصادية على الدولة المصرية.
10 مليارات دولار سنويًا.. كيف تُحسب تكلفة الاستضافة؟
تقول الحكومة المصرية إن تكلفة استضافة اللاجئين والوافدين تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا. وتشمل خدمات مثل التعليم والصحة والطاقة والدعم والخدمات المحلية.
لكن غياب تفاصيل دقيقة ومنهجية معلنة لكيفية احتساب هذه التكلفة يفتح باب الجدل. خصوصًا أن جزءًا من الأجانب المقيمين في مصر يشاركون في النشاط الاقتصادي، سواء من خلال العمل أو الاستثمار أو الاستهلاك.
ويشير منتقدون إلى أن الحديث عن الأعباء فقط يتجاهل التأثيرات الاقتصادية المحتملة لبعض الفئات. بينما تؤكد الحكومة أن الضغط على الخدمات العامة والبنية الأساسية يمثل تحديًا حقيقيًا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
بين الخطاب الإنساني والحسابات السياسية
تؤكد القاهرة في خطابها الرسمي أنها تتعامل مع اللاجئين وفق سياسة عدم التمييز، وترفض إنشاء مخيمات. وتتيح لهم الحصول على الخدمات الأساسية.
لكن في الوقت نفسه، تستخدم الحكومة ملف الاستضافة للتأكيد على حاجتها إلى دعم دولي أكبر. خاصة مع تصاعد أزمات اللجوء في المنطقة، وعلى رأسها الحرب في السودان والأوضاع في سوريا وغزة.
ويرى مراقبون أن هذا التوازن يعكس محاولة مصر الجمع بين صورتين: الدولة التي تقدم نفسها كملاذ إنساني للاجئين. والدولة التي تطالب المجتمع الدولي بتحمل جزء من التكلفة.
هل أصبح ملف اللاجئين أداة للحصول على التمويل؟
يرى منتقدون أن تكرار الحديث عن أعداد ضخمة من اللاجئين وتحميلهم مسؤولية الضغوط الاقتصادية. قد يتحول إلى أداة للحصول على مساعدات دولية، خصوصًا في ظل حاجة مصر إلى العملة الأجنبية.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن الهدف ليس تحميل اللاجئين مسؤولية الأزمة الاقتصادية. وإنما لفت الانتباه إلى ضرورة مشاركة المجتمع الدولي في تحمل تكلفة أزمات لم تكن مصر سببًا فيها.



