فتح ملف شائك
فتحت وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية المصرية الأسبق ميرفت التلاوي أحد أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في مصر، وكشفت عن مصير أموال التأمينات والمعاشات في البلاد، مؤكدة أن هذه الأموال استُخدمت على مدار سنوات من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في تمويل عدد من المشروعات القومية، وأنها كانت ترفض هذا النهج باعتباره لا يحقق عائدا يعود على أصحاب المعاشات.
"أموال بلا صاحب".. خلط بين المال العام والخاص
أوضحت التلاوي أن أموال التأمينات كانت تُعامل في ذلك الوقت باعتبارها "أموالا بلا صاحب"، مشيرة إلى أن الوزراء كانوا يلجأون إلى بنك الاستثمار القومي للحصول على تمويل لمشروعاتهم من هذه الأموال.
وأكدت وجود خلط كبير بين مفهوم الأموال العامة وأموال التأمينات، موضحة أن هذه الأموال هي في الأساس اشتراكات العاملين ومساهمات جهات العمل، وبالتالي فهي أموال خاصة يجب أن تُستثمر لصالح أصحاب المعاشات فقط، لا أن تُعامل كمتاح لأي مشروع يحتاج تمويلا.
توشكى ومدينة الإنتاج الإعلامي في قلب الملف
كشفت الوزيرة السابقة أن من بين المشروعات التي مُولت من أموال التأمينات مدينة الإنتاج الإعلامي ومشروع توشكى، مؤكدة أن هذه الاستثمارات لم تحقق أي عائد انعكس بصورة مباشرة على أصحاب المعاشات، وهو ما تعتبره إهدارا لحقوق ملايين المواطنين الذين يعتمدون على هذه الأموال كمصدر أساسي لدخلهم بعد التقاعد.
وروت التلاوي أن رئيس الوزراء الأسبق الدكتور كمال الجنزوري قال لها خلال أحد اجتماعات مجلس الوزراء: "إحنا استولينا على أموالك امبارح بالليل عشان نعمل توشكى"، مؤكدة أنها اعترضت داخل الاجتماع على استخدام أموال التأمينات في هذا الاتجاه، لكن اعتراضها لم يُؤخذ في الاعتبار.
نص دستوري بجهودها الشخصية
كشفت التلاوي أنها تمسكت خلال مشاركتها في "لجنة الخمسين" التي أعدت دستور عام 2014، بالنص صراحة على أن أموال التأمينات أموال خاصة مملوكة للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، وليست أموالا عامة، بما يضمن حمايتها واستثمارها لصالح أصحابها.
رؤية بديلة: الاستثمار في شركات ناجحة
أوضحت أنها كانت تفضل استثمار أموال التأمينات في شراء حصص بشركات حكومية ناجحة، مثل الحديد والصلب ومجمع الألومنيوم، وحديد الدخيلة، وشركتي فودافون وموبينيل، باعتبارها أصولا قادرة على تحقيق أرباح مستدامة تعود بالنفع على أصحاب المعاشات.
وقالت إن مثل هذه الاستثمارات، لو نُفذت، كانت ستوفر عوائد كبيرة، مضيفة: "كان من الممكن أن يصبح المعاش أفضل من المرتب"، بل إن معاش الـ500 جنيه كان يمكن أن يتحول إلى 5000 جنيه بفضل العوائد الاستثمارية.
وأكدت أن الاستثمار في البورصة خلال تلك الفترة لم يكن خيارا مناسبا بسبب عدم اكتمال التنظيمات الخاصة بالسوق آنذاك، مشددة على أن الهدف الأساسي كان حماية أموال أصحاب المعاشات وتحقيق أفضل عائد آمن لها، لا استخدامها لدعم الاقتصاد أو تمويل مشروعات الدولة.
فوائد ضعيفة داخليا مقابل عوائد مرتفعة خارجيا
أشارت التلاوي إلى أن بنك الاستثمار القومي كان يمنح فوائد ضعيفة لا تتجاوز 4% على أموال التأمينات، في حين كانت الفوائد المتاحة في الأسواق الخارجية تصل إلى 17 و18%، وهو ما تعتبره انعكاسا واضحا لسوء إدارة هذه الموارد المالية الضخمة على مدى سنوات طويلة.
يوسف بطرس غالي.. "حقيقة موثقة لا اتهام شخصي"
أوضحت التلاوي أن الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، كان من أبرز المسؤولين الذين استخدموا أموال التأمينات في تمويل مشروعات حكومية، مشددة على أن هذا الأمر "ليس اتهاما شخصيا وإنما حقيقة موثقة" تتحدث عنها منذ عام 2006.
وأكدت أنها خرجت من الوزارة بسبب موقفها الرافض لاستغلال أموال التأمينات على هذا النحو.
"استولت وزارة المالية عليها بعد إلغاء وزارة التأمينات"
أضافت التلاوي أن أموال التأمينات، بعد إلغاء وزارة التأمينات، آلت إدارتها إلى وزارة المالية التي استولت عليها، بحسب وصفها. مؤكدة أن الحكومات المتعاقبة كانت ترفض مقترحاتها باستثمار الأموال في مشروعات مدرة للربح. مفضلة الاحتفاظ بها كاحتياطي يمكن السحب منه وقت الحاجة لسد عجز الموازنة أو تمويل مشروعات بلا ميزانية مخصصة. وهو ما اعتبرته "خطأ اقتصاديا جسيما".
رد الأموال على مدى 50 عاما.. "أمر غير منطقي"
كشفت التلاوي أن الرئيس طالب مؤخرا برد هذه الأموال، إلا أن القرار جاء بإعادتها على مدى 50 عاما. وهو ما وصفته بأنه "أمر غير منطقي"، مؤكدة أن أصحاب المعاشات لا يمكنهم الانتظار نصف قرن لاسترداد حقوقهم.
مطالب حالية بزيادة الحد الأدنى للمعاش
لفتت التلاوي إلى أن أصحاب المعاشات، الذين يبلغ عددهم نحو 11.5 مليون مواطن. يطالبون اليوم برفع الحد الأدنى للمعاش من 1900 جنيه إلى 5000 أو 6000 جنيه. إلا أن الحكومة ترد دائما بأنها لا تملك الأموال الكافية لتلبية هذا المطلب.
وأكدت أن المشكلة ليست في غياب الأموال، وإنما في سوء إدارتها وعدم استثمارها بالشكل الصحيح على مدى عقود. مشيرة إلى أنه لو تم استثمارها كما اقترحت، لكانت المعاشات اليوم مصدرا قويا ومستداما لدخل ملايين المواطنين.
خلاصة: دعوة لإدارة رشيدة
ختمت التلاوي حديثها بالتأكيد. على أن قضية أموال التأمينات تحتاج إلى إدارة رشيدة واستثمار علمي آمن، يضمن حقوق أصحاب المعاشات ويرفع مستوى معيشتهم. مشددة على أن التجارب السابقة أثبتت أن استخدام هذه الأموال في مشروعات حكومية غير مدرة للربح. كان خطأ فادحا يجب ألا يتكرر مستقبلا.
اقرأ أيضا
