تقاريرعربي ودولي

هل بدأت نهاية الانحياز الأمريكي لإسرائيل؟.. الإيباك في مواجهة تحولات لم يعتد عليها

لعقود طويلة كانت المعادلة ثابتة: أمريكا تدعم إسرائيل، والإعلام الأمريكي الكبير يُقدّم هذا الدعم بوصفه طبيعياً وضرورياً، ولا يجرؤ سياسي طامح على عرش واشنطن على مجرد التشكيك في علاقة «الشراكة الاستراتيجية» مع تل أبيب.

لكن منذ أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب في غزة ثم لبنان ثم إيران، باتت تلك المعادلة تتصدع من أماكن لم يتوقعها أحد في الجامعات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي استطلاعات الرأي، وحتى داخل الحزب الديمقراطي نفسه.

السؤال الذي يشغل المراقبين اليوم: هل نحن أمام تحول حقيقي في البنية، أم مجرد موجة ستهدأ؟

شقوق في الجدار.. ما الذي تغيّر فعلاً؟

التحولات التي طرأت على المشهد الأمريكي خلال العامين الأخيرين لا يمكن وصفها بالهامشية إذ تمتد عبر طيف واسع:

على صعيد الرأي العام: كشفت استطلاعات غالوب وبيو ريسيرش عن انزياح لافت في مواقف الأمريكيين، لا سيما في الفئات العمرية دون الأربعين.

فبينما كان تأييد إسرائيل يحظى بإجماع عابر للأجيال، باتت التساؤلات حول التوازن في تغطية الصراع ومدى تناسب ردود الفعل الإسرائيلية تُطرح في استطلاعات كانت قبل عامين تبدو مستحيلة.

على صعيد الجامعات: موجة احتجاجات 2024 في هارفارد وكولومبيا وعشرات الجامعات الأمريكية الأخرى كانت مؤشراً على شيء أعمق من غضب طلابي مؤقت — بل كشفت عن جيل جديد يرفض الرواية التي نشأ عليها أسلافه.

وأبرز ما في الأمر أن كثيراً من المحتجين لم يكونوا مسلمين أو عرباً، بل أمريكيون بيض ويهود أمريكيون أنفسهم.

على صعيد الحزب الديمقراطي: الانقسام الذي ظهر في المؤتمر الوطني الديمقراطي 2024 لم يسبق له مثيل إذ رفع نواب ومندوبون ديمقراطيون أعلاماً فلسطينية، وخرجت أصوات من داخل الحزب تطالب بتعليق تسليح إسرائيل. «الفرقة» ليست حكراً على الهوامش بعد الآن.

على صعيد الإعلام: التغطية لم تعد أحادية الصوت. صحف كـ«نيويورك تايمز» وشبكات كـ«CNN» خضعت لضغوط داخلية غير مسبوقة من صحفييها أنفسهم الذين طالبوا بتغطية أكثر توازناً وإن ظلت الرواية الكبرى في الإعلام التقليدي تميل بشكل عام نحو إسرائيل.

الإيباك.. عملاق يواجه بيئة مختلفة

منذ تأسيسه في الخمسينيات، بنى الإيباك (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة) منظومة نفوذ لا مثيل لها في واشنطن تمويل انتخابي ضخم، وشبكة علاقات في كلا الحزبين، وقدرة على تحديد مسارات المرشحين ومكافأة المؤيدين ومعاقبة الناقدين في صناديق الاقتراع.

غير أن البيئة التي يعمل فيها اليوم مختلفة جذرياً عما اعتاد عليه:

التمويل لا يكفي وحده: في انتخابات 2024، ضخّ الإيباك عشرات الملايين لإسقاط منافسين للسياسة الإسرائيلية في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية ونجح في بعضها وفشل في أخرى. الأهم أن الفشل ذاته كسر أسطورة القدرة المطلقة.

منصات التواصل الاجتماعي تكسر الاحتكار: ما كان يُتحكم فيه عبر البوابات التقليدية للإعلام والمال السياسي، بات يتسرب عبر تيك توك وتويتر/إكس وإنستغرام. الجيل الجديد يتلقى روايته عن الصراع من مصادر لا يمكن للإيباك التأثير فيها بالأدوات التقليدية.

اليهود الأمريكيون أنفسهم يتغيرون: استطلاعات متعددة أظهرت أن شرائح واسعة من اليهود الأمريكيين لا سيما الشباب لا تعرّف هويتها بالولاء لإسرائيل كما فعلت أجيال سابقة.

ومنظمات كـ«J Street» و«Jewish Voice for Peace» تنمو في مقابل نفوذ الإيباك التقليدي.

ما يمتلكه الإيباك لا يزال ضخماً

في المقابل، من الخطأ الاستنتاج المتسرع بأن نفوذ اللوبي الإسرائيلي في طريقه إلى الأفول. فثمة ما يزال يمنحه قوته:

النظام الانتخابي الأمريكي المبني على التمويل الخاص يجعل المال السياسي أداةً استراتيجية لا بديل عنها في المدى المنظور. والحزب الجمهوري يظل قاعدة صلبة لإسرائيل وترامب الذي يحكم الآن ضخّ دعماً استثنائياً لإسرائيل لا يشوبه أي تردد.

وكبار المانحين في المؤسسات الجامعية والإعلامية لا يزالون يمثلون ضغطاً حقيقياً. كما أثبتت موجة الفصل من الجامعات التي طالت أصوات محسوبة على التضامن مع الفلسطينيين.

التحول البنيوي أم الموجة المؤقتة؟

هنا يقف المراقبون على أرض جدلية حقيقية. فريق يرى أن ما نشهده تحول جيلي لا رجعة فيه فالجيل الذي كبر على صور غزة. عبر هواتفه لن يكون نسخة من أبيه حين يبلغ سن التصويت الفعال.

وفريق آخر يذكّر بأن التحولات في الرأي العام الأمريكي تجاه قضايا الشرق الأوسط سبق أن ظهرت وتبخرت. فالتعاطف الذي أعقب الانتفاضة الثانية مطلع الألفية لم يترجَم في الميزان الانتخابي ولا السياسي.

الفارق هذه المرة ربما يكون منصات التواصل الاجتماعي التي جعلت الصور والروايات المضادة مستدامة ومتراكمة بدلاً من أن تكون عابرة.

اقرأ أيضا

ترامب يفتح الباب النووي للسعودية.. صفقة مدنية أم بداية سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى