اكتشافات متلاحقة.. فلماذا تستورد مصر المزيد من الغاز الإسرائيلي؟
بئر جديدة في غرب المتوسط
أعلنت وزارة البترول عن نجاح أعمال حفر البئر الاستكشافية البحرية "فيلوكس-1X" بمنطقة شمال كليوباترا، الواقعة في أحواض غرب البحر المتوسط، موضحة أن هذا التطور يعزز فرص تحقيق أول اكتشاف للزيت الخام في منطقة غرب المتوسط، عقب استكمال أعمال التقييم والدراسات الفنية الجارية.
نُفذت عمليات الحفر بالتعاون بين قطاع البترول المصري وشركة "شل" العالمية (القائمة بالعمليات)، والشريك الحكومي "الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية" (إيجاس)، وبمشاركة شركتي "شيفرون" و"ثروة" للبترول، إلى جانب استكمال إجراءات انضمام "قطر للطاقة" إلى هذا التحالف الاستثماري.
وبدأت أعمال الحفر في 23 مايو الماضي، ونجحت في الوصول إلى الأهداف الجيولوجية عند عمق نهائي بلغ نحو 6500 متر أسفل سطح البحر، عند عمق مياه بلغ 2800 متر، وهو أكبر عمق تُجرى فيه عمليات حفر استكشافي في البحر المتوسط حتى الآن.
سؤال مشروع يتكرر مع كل إعلان اكتشاف
لكن هذا الإعلان، مهما بدا لافتا من الناحية الفنية، يعيد إلى الواجهة سؤالا يتكرر مع كل بيان مماثل تصدره وزارة البترول المصرية منذ سنوات: إذا كانت مصر تعلن باستمرار عن اكتشافات "واعدة" في الغاز والنفط، فلماذا لا تزال تعتمد على استيراد الغاز الإسرائيلي، بل وتتجه فعليا نحو زيادة كميات هذا الاستيراد خلال السنوات المقبلة، بدلا من أن تحقق اكتفاءها الذاتي أو حتى فائضا للتصدير كما كانت عليه الحال قبل سنوات؟
الأرقام تكشف الفجوة الحقيقية
الإجابة تكمن في فجوة متسعة بين وتيرة الإعلانات الإعلامية عن الاكتشافات ووتيرة الإنتاج الفعلي على الأرض.
فبحسب بيانات مبادرة "جودي" الدولية لبيانات الطاقة، انخفض إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى 9.85 مليار متر مكعب خلال الربع الأول من 2026، مقابل 10.68 مليار متر مكعب في الفترة نفسها من العام السابق، أي بتراجع واضح في الإنتاج، بينما ارتفع الاستهلاك المحلي للغاز لأغراض توليد الكهرباء والتدفئة إلى 2.671 مليار متر مكعب في مارس 2026 وحده، مقارنة بـ2.569 مليار متر مكعب في الشهر نفسه من العام الماضي.
هذه الفجوة المتسعة بين إنتاج يتراجع واستهلاك يتصاعد هي ما يفسر، بحسب خبراء الطاقة، استمرار حاجة مصر للاستيراد رغم كل الاكتشافات المعلنة؛ إذ رفعت الحكومة المصرية بالفعل مخصصات استيراد الغاز بنسبة 26% لتصل إلى 10.7 مليارات دولار في موازنة العام المالي 2026-2027، فيما تشير وثائق نقلتها "رويترز" إلى أن الواردات المتوقعة بين يوليو 2026 ويونيو 2027 ستبلغ نحو 1.081 تريليون قدم مكعبة، بزيادة تقارب 9.7% عن العام المالي السابق.
بل إن مصر تتفاوض حاليا مع شركات طاقة عالمية، من بينها "شل" و"توتال إنرجيز" و"بي بي"، لشراء ما بين 15 و18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال شهريا لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وهو ما يتزامن مع الاتفاق المعدل الذي يرفع واردات مصر من الغاز الإسرائيلي بنسبة 26.3% ليصل إجمالي الإمدادات إلى 1.6 مليار قدم مكعب يوميا بحلول 2029.
خبراء: الاكتشافات "محدودة" مقارنة بحجم الفجوة
يوضح الدكتور علي عبد النبي، خبير الطاقة ونائب رئيس هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء سابقا، أن سد الفجوة بين إنتاج الغاز واستهلاكه في مصر يتطلب اكتشافات ضخمة قادرة على إضافة احتياطيات كبيرة فعليا، مشيرا إلى أن الاكتشافات الأخيرة، بما فيها الحقول التي وُصفت بأنها "مبشرة"، لا تزال محدودة الحجم مقارنة بالحقول الكبرى التي شهدتها مصر في العقد الماضي، مثل حقل "ظهر" الذي كان يُفترض أن يجعل البلاد مصدّرا صافيا للغاز.
كما يرى محللون في تقرير نشرته "يورونيوز" أن الاكتشافات الأخيرة المرتبطة بشركات مثل "إيني" أنعشت الآمال. لكن ضغوط الاستيراد لن تتراجع قريبا. موضحين أن الغاز الإضافي المنقول عبر الأنابيب قد يساعد مصر في تقليص اعتمادها على واردات الغاز المسال الأعلى كلفة. لكن أي عودة منتظمة للتصدير تظل مرهونة أولا بتغطية الطلب الداخلي المتصاعد، لا بمجرد الإعلان عن اكتشاف جديد.
اعتماد متبادل لا اعتماد أحادي فقط
يشير تحليل نشره موقع "صفر" المتخصص في الشأن الاقتصادي إلى أن بعض المعلقين الإسرائيليين. يروّجون لفكرة أن مصر "رهينة" للغاز الإسرائيلي. سواء لإعادة تصديره بعد تسييله في منشآتها، أو لتلبية طلبها المحلي المتنامي بعد تراجع إنتاجها الذاتي.
لكن التحليل يوضح أن هذه ليست القصة الكاملة. إذ إن إسرائيل نفسها لا تستطيع الاستغناء عن مصر كممر لتسييل غازها وتصديره عالميا. طالما لا تمتلك منشآت تسييل خاصة بها بالحجم الكافي، رغم دراستها الحالية لبدائل. وهو ما يجعل العلاقة أقرب إلى اعتماد متبادل غير متكافئ، لا اعتمادا مصريا أحاديا بالكامل كما يُصوَّر أحيانا.
أزمة إنتاج تسبق الاكتشاف الحالي
تكشف تجربة سابقة حجم هذه الأزمة بوضوح؛ ففي يونيو 2025. اضطرت الحكومة المصرية للبحث عن حلول عاجلة عقب إغلاق إسرائيل مؤقتا أحد أكبر حقولها للغاز. إذ أوضح خبراء لشبكة "CNN بالعربية" أن تعويض هذا النقص كان يتطلب استئجار سفينة "تغييز" إضافية يصعب توفيرها. ما دفع الحكومة إلى تشغيل محطات الكهرباء بالمازوت الأقل كفاءة. ووقف إمداد الغاز لمصانع الأسمدة مؤقتا لتوجيه الكميات المتاحة نحو محطات الكهرباء. في ذروة الطلب الصيفي، وهو ما يعكس هشاشة الوضع المائي للطاقة المصرية رغم توالي إعلانات الاكتشافات.

