لم يكن السؤال الذي وجهته زاني مينتون بيدوس، رئيسة تحرير مجلة «ذي إيكونوميست»، إلى إيلون ماسك في مقابلته الأخيرة سؤالًا عابرًا.
فعندما سألته مباشرة: «هل أنت معادٍ للمسلمين؟»، لم يقدم ماسك إجابة مباشرة بـ«نعم» أو «لا»، بل أعاد صياغة السؤال إلى موقف عام من المهاجرين الذين يحملون، بحسب تعبيره، «آراء مناقضة» للقيم الغربية.
ثم انتقل سريعًا إلى الحديث عن «الاغتصاب والقتل»، قائلًا إنه يعارضهما، قبل أن يتحدث عن رفضه فرض قوانين تتعارض مع ما اعتبره القيم المقبولة في الغرب.
سؤال عن الإسلام.. وإجابة عن الجريمة
المشكلة الأساسية في إجابة ماسك، بحسب منتقديه، لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في الطريقة التي جرى بها الربط بين سؤال يتعلق بموقفه من المسلمين أو الإسلام، وبين كلمات مثل «الاغتصاب» و«القتل».
فالسؤال لم يكن: هل تؤيد الجرائم؟ ولا: هل تؤيد العنف؟، وإنما كان سؤالًا مباشرًا حول موقفه من المسلمين.
ومع ذلك، جاءت الإجابة محمّلة بإشارات إلى جرائم عنيفة، وهو ما يرى منتقدون أنه يعيد إنتاج الصورة النمطية التي تختزل المسلمين والمهاجرين القادمين من دول ذات أغلبية مسلمة في الخطر والعنف والجريمة.
ولم يقل ماسك صراحة في المقابلة إنه يكره الإسلام أو المسلمين. بل حاول أن ينفي عن نفسه تهمة العنصرية، مشيرًا إلى خلفيته العائلية وتنوع العاملين في شركاته.
غير أن هذا النفي لم يتبعه موقف واضح يفصل بين انتقاد سياسات الهجرة أو سلوك أفراد وبين التعميم على جماعة دينية كاملة.
من «هل تكره المسلمين؟» إلى «الآراء المناقضة للغرب»
في قلب إجابة ماسك عبارة تبدو للوهلة الأولى سياسية أكثر منها دينية: «أنا ضد أن يأتي أشخاص إلى بلد يحملون آراء مناقضة» لما وصفه بالقيم الغربية.
وهنا يبرز السؤال الذي لم تجب عنه المقابلة بوضوح: ما المقصود تحديدًا بـ«الآراء المناقضة»؟ وهل الحديث عن أفراد ارتكبوا جرائم؟ أم عن ملايين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة، ويمارسون حياتهم اليومية، ويعملون ويدرسون ويشاركون في المجتمعات التي يعيشون فيها؟
هذا الغموض ليس تفصيلًا ثانويًا. فحين يستخدم رجل يمتلك تأثيرًا يصل إلى مئات الملايين من المتابعين لغة فضفاضة عن جماعات واسعة، فإن المسافة بين انتقاد سلوك محدد وإنتاج صورة نمطية عن مجموعة دينية تصبح شديدة القصر.
ماسك.. ليس مجرد رجل أعمال
تكتسب تصريحات ماسك أهمية خاصة لأنه لم يعد مجرد مؤسس لشركات تكنولوجية. فهو أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم، ويمتلك نفوذًا واسعًا عبر منصة «إكس»، كما ارتبط سياسيًا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشغل دورًا بارزًا في إدارته خلال الفترة الماضية.
وبالتالي، فإن مواقفه من الهجرة والإسلام وأوروبا واليمين السياسي لا تبقى مجرد آراء شخصية لرجل أعمال.
فهي تنتشر عبر منصته إلى مئات الملايين، وتتحول إلى جزء من النقاش السياسي العالمي، خصوصًا في ظل تزايد صعود التيارات اليمينية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي المقابلة نفسها، دافع ماسك عن مواقفه السياسية، ورفض توصيفها باعتبارها يمينية متطرفة. قائلًا إن ما يدعو إليه يتمثل في مدن آمنة وحدود مؤمّنة وإنفاق حكومي أكثر عقلانية.
في المقابل، رأت «ذي إيكونوميست» أن مواقفه السياسية تثير اتهامات بالتحيز والتعصب لدى كثير من منتقديه.
هل تعكس الإجابة عقلية أوسع في الغرب؟
الجدل حول تصريحات ماسك يتجاوز شخصه. فمنتقدوه يرون أنها تعكس نمطًا متكررًا في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي. يتمثل في التعامل مع المسلمين باعتبارهم جماعة مطالبة باستمرار بإثبات براءتها من العنف.
فحين يُسأل شخص عن موقفه من المسلمين، ثم ينتقل مباشرة إلى الحديث عن الاغتصاب والقتل. فإن ذلك يطرح سؤالًا عن الصورة الذهنية التي تشكلت في العقل السياسي والإعلامي الغربي حول الإسلام والمسلمين. هل يُنظر إلى المسلم باعتباره فردًا عاديًا لا يُسأل عن جرائم لم يرتكبها؟ أم باعتباره متهمًا ضمنيًا يحتاج إلى التبرؤ من العنف قبل أن يُنظر إليه كمواطن أو مهاجر أو إنسان؟
وهذه ليست مشكلة إيلون ماسك وحده. غير أن خطورتها تتضاعف عندما تصدر عن شخص يمتلك هذا الحجم من النفوذ السياسي والاقتصادي والتكنولوجي.
رجل التكنولوجيا الذي يساهم في تشكيل الخطاب السياسي
المفارقة أن ماسك يقدم نفسه بوصفه مدافعًا عن حرية التعبير. بينما يرى منتقدوه أن خطابه السياسي نفسه يساهم في تعميم صور نمطية عن المهاجرين والمسلمين.
ومن خلال منصة «إكس»، لا يملك ماسك فقط القدرة على التعبير عن رأيه. بل يمتلك أيضًا واحدة من أكبر أدوات التأثير في تشكيل النقاش العام العالمي.
لذلك، فإن عباراته حول الهجرة والإسلام لا تُقرأ بوصفها حديثًا خاصًا في مقابلة. بل باعتبارها جزءًا من خطاب سياسي أوسع يتقاطع مع صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي النهاية، لا تثبت إجابة ماسك وحدها أنه يكره الإسلام أو المسلمين. كما لا يمكن اختزال مواقفه كلها في تلك المقابلة.
لكن المؤكد أن الرجل لم يقدم إجابة مباشرة على سؤال مباشر. وأن انتقاله من سؤال عن المسلمين إلى الحديث عن «الاغتصاب والقتل» .فتح الباب أمام انتقادات واسعة رأت في ذلك إعادة إنتاج لصور نمطية تربط الإسلام والمسلمين بالعنف.
ويبقى السؤال الأوسع: إذا كان أغنى رجل في العالم، وأحد أكثر رجال التكنولوجيا تأثيرًا، لا يرى مشكلة في هذا الربط الخطابي، فكيف يمكن لملايين المسلمين في الغرب أن يصدقوا أن النقاش معهم يجري على أساس المساواة، لا على أساس الاشتباه المسبق؟
