أعاد الباحث والكاتب السياسي المصري عماد جاد طرح تساؤلات مهمة بشأن مستقبل المشهد السياسي في مصر، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع ثقة قطاعات من المواطنين في قدرة النظام على تقديم حلول حقيقية، معتبرًا أن فشل السلطة في احتواء الأزمات ومنح المواطنين أملًا في المستقبل قد يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل سياسية، حتى لو كانت تلك البدائل مرتبطة بقوى جرى إقصاؤها من المجال العام خلال السنوات الماضية.
وخلال حوار في بودكاست سياسي، أشار جاد إلى أن جانبًا من التأييد الشعبي الذي حظيت به جماعة الإخوان المسلمين عقب ثورة يناير 2011 لم يكن نابعًا بالضرورة من اتفاق كامل مع أفكار الجماعة أو مشروعها السياسي، وإنما ارتبط بقدرتها في ذلك الوقت على تقديم نفسها باعتبارها قوة منظمة وقادرة على ملء الفراغ السياسي، وتقديم وعود بالتغيير وتحسين الأوضاع.
ويرى جاد، بحسب ما ورد في الحوار، أن الظروف الحالية قد تفتح الباب أمام تكرار بعض ملامح هذا المشهد، إذا استمر النظام في التعامل مع الأزمات دون تقديم حلول ملموسة أو رؤية سياسية واقتصادية تمنح المواطنين شعورًا بالأمل.
تأييد الإخوان في 2011.. هل كان تأييدًا للجماعة أم بحثًا عن بديل؟
بعد ثورة 25 يناير، برزت جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها واحدة من أكثر القوى السياسية تنظيمًا وقدرة على التحرك، في وقت كانت فيه الأحزاب والقوى المدنية تعاني من التشتت وضعف التنظيم.
وساعد هذا التنظيم، إلى جانب الخطاب الذي قدمته الجماعة حول الإصلاح ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، على حصولها على دعم انتخابي واسع، قبل أن تفوز بأغلبية برلمانية وتصل إلى رئاسة الجمهورية عبر الرئيس الراحل محمد مرسي.
غير أن قراءة عماد جاد تركز على أن جزءًا من هذا التأييد ارتبط بظروف المرحلة أكثر من ارتباطه بتبني دائم لمشروع الإخوان، إذ بحث كثير من المواطنين آنذاك عن قوة تبدو قادرة على إدارة الدولة بعد سقوط نظام حسني مبارك.
وبهذا المعنى، فإن صعود الإخوان في 2011 يمكن تفسيره أيضًا باعتباره نتيجة لوجود فراغ سياسي، وغياب بدائل قوية، وارتفاع توقعات المواطنين بشأن التغيير.
الأزمات تصنع الحاجة إلى البديل
وفي حديثه عن الوضع الراهن، يربط جاد بين استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وبين احتمال عودة الحديث عن القوى السياسية المستبعدة من المشهد.
فمع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد شعور قطاعات من المواطنين بانسداد الأفق، قد يصبح السؤال عن البديل السياسي أكثر حضورًا، خصوصًا إذا لم تتمكن السلطة من تقديم حلول واضحة أو إقناع المواطنين بأن الأوضاع تتجه نحو التحسن.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن هناك تأييدًا شعبيًا واسعًا أو منظمًا لعودة جماعة الإخوان. لكن الفكرة التي يطرحها جاد تتمثل في أن استمرار الأزمات قد يؤدي إلى إعادة تقييم قطاعات من المواطنين لمواقفها السياسية. أو إلى النظر مجددًا في القوى التي جرى إقصاؤها.
ويبدو أن الرسالة الأساسية في حديثه هي أن الفراغ السياسي لا يستمر طويلًا. وأن إغلاق المجال العام دون تقديم بدائل أو حلول قد يسمح بعودة قوى سابقة إلى دائرة الاهتمام. حتى لو كانت قد فقدت جزءًا كبيرًا من شعبيتها في مراحل سابقة.
هل تكفي المواجهة الأمنية لمنع عودة الإخوان؟
منذ عام 2013، تعرضت جماعة الإخوان لإجراءات واسعة أدت إلى إقصائها من الحياة السياسية، واعتقال عدد من قياداتها وأعضائها. وتصنيفها جماعة إرهابية داخل مصر.
لكن حديث جاد يطرح سؤالًا مختلفًا: هل يمكن التعامل مع احتمالات عودة أي تيار سياسي من خلال الإقصاء وحده. أم أن معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى البحث عن بديل تمثل عنصرًا أكثر أهمية؟
فالتجارب السياسية تشير إلى أن تراجع شعبية أي نظام أو قوة سياسية لا يؤدي تلقائيًا إلى اختفاء منافسيه. بل قد يخلق مساحة لقوى جديدة أو قديمة، خصوصًا عندما تتراجع الثقة في قدرة السلطة على معالجة الأزمات.
ومن هنا، فإن احتواء الغضب الاجتماعي وتحسين الظروف الاقتصادية وفتح المجال السياسي. قد يكون أكثر تأثيرًا في منع عودة أي تيار من مجرد الاعتماد على الإجراءات الأمنية.
