من 827 ألفًا إلى 586 ألف عامل.. كيف تغيّر شكل القطاع العام في مصر خلال 8 سنوات؟

تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن استمرار انكماش قاعدة العاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام في مصر، بعدما تراجع عدد العاملين من نحو 827 ألف عامل عام 2017 إلى 586.1 ألف عامل عام 2025، بانخفاض يقارب 241 ألف عامل بنسبة تتجاوز 29% خلال 8 سنوات

وخلال عام 2025 فقط، انخفض عدد العاملين بنحو 34 ألف عامل مقارنة بعام 2024، بعدما سجل القطاع نحو 620.1 ألف عامل في 2024، بنسبة تراجع بلغت 5.5%.

ويعكس هذا المسار تحولًا واضحًا في طبيعة سوق العمل الحكومي، مع استمرار سياسات إعادة الهيكلة وتقليص الاعتماد على التوظيف الحكومي المباشر، في مقابل توجه أكبر نحو القطاع الخاص والاستثمار وإعادة هيكلة الشركات التابعة للدولة.

لماذا ينكمش القطاع العام؟

يرى محللون أن تراجع أعداد العاملين يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها:

1- خروج أعداد كبيرة للمعاش

شهدت السنوات الأخيرة إحالة أعداد كبيرة من العاملين في شركات وهيئات حكومية إلى المعاش، مع محدودية التعيينات الجديدة لتعويض الفارق.

2- وقف التعيينات الجديدة

اتجهت الدولة خلال السنوات الماضية إلى تقليل التوسع في التوظيف الحكومي، في إطار سياسات تستهدف ضبط فاتورة الأجور وتحسين كفاءة الإنفاق.

3- إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال

شهد قطاع الأعمال العام عمليات دمج وتطوير وإعادة هيكلة لعدد من الشركات، ما أدى إلى تغير حجم العمالة في بعض القطاعات.

4- التوسع في نماذج التشغيل غير الدائم

اعتمدت بعض الجهات على التعاقدات المؤقتة أو الاستعانة بالخدمات الخارجية بدلًا من التعيين الدائم.


رؤية الحكومة: إعادة هيكلة وليس تقليصًا فقط

تؤكد الدولة أن إعادة هيكلة القطاع العام تستهدف رفع الكفاءة وتحويل الشركات الخاسرة إلى كيانات أكثر قدرة على المنافسة، وليس مجرد تقليل أعداد العاملين.

وسبق أن أكدت وزارة قطاع الأعمال العام أن تطوير الشركات لا يعني بالضرورة البيع أو التخلي عنها، مشيرة إلى أن الهدف هو تحسين الأداء ورفع الكفاءة.

كما دخلت الدولة في برنامج للطروحات الحكومية، شمل بيع حصص في عدد من الشركات، بهدف زيادة مشاركة القطاع الخاص وجذب استثمارات جديدة.

القيادات العمالية تحذر من تأثيرات اجتماعية

في المقابل، ترى قيادات عمالية أن تقليص حجم القطاع العام يجب أن يرتبط بضمانات لحماية العاملين وعدم فقدان الوظائف المستقرة.

وقال محمد وهب الله، الأمين العام لاتحاد عمال مصر سابقًا ووكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب سابقًا، في تصريحات صحفية، إن موقف الحركة العمالية كان داعمًا لتطوير شركات قطاع الأعمال، لكنه يرفض البيع أو الخصخصة التي تؤثر على حقوق العمال، مؤكدًا ضرورة تطوير الإدارة وتحسين الأداء بدلًا من التخلص من الشركات.

كما أكد المهندس خالد الفقي، رئيس النقابة العامة للصناعات الهندسية والمعدنية والكهربائية وعضو مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية سابقًا، في تصريحات حول أزمة شركة الحديد والصلب، أن الحفاظ على الشركات الوطنية يحتاج إلى تطوير شامل وليس التصفية، مشددًا على أهمية الحفاظ على الخبرات والعمالة الموجودة.

من جانبه، شدد عبد المنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، في تصريحات إعلامية، على أن العامل يظل عنصرًا أساسيًا في عملية التنمية، وأن حماية حقوق العمال جزء من استقرار سوق العمل.

خبراء الاقتصاد: الوظيفة الحكومية لم تعد المسار الرئيسي للتشغيل

يرى خبراء سوق العمل أن التحول الحالي يعكس تغيرًا في فلسفة التشغيل داخل الاقتصاد المصري.

ففي الماضي كان القطاع الحكومي أحد أكبر مصادر توفير الوظائف. بينما تتجه السياسات الحالية إلى تقليل دور الدولة كصاحب عمل مباشر. مع الرهان على قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل جديدة.

لكن نجاح هذا التحول، بحسب خبراء، يرتبط بعدة شروط:

  • قدرة القطاع الخاص على استيعاب أعداد أكبر من الباحثين عن العمل.
  • توفير وظائف مستقرة بأجور مناسبة.
  • تطوير برامج التدريب لرفع مهارات العمال.
  • ضمان حماية اجتماعية للعاملين خارج القطاع الحكومي.

23 شركة وحصيلة 5.9 مليار دولار

تزامن تراجع العمالة في القطاع العام مع برنامج الطروحات الحكومية. حيث أعلنت الحكومة عن بيع حصص في شركات مملوكة للدولة ضمن خطة جذب الاستثمار وزيادة دور القطاع الخاص.

وبحسب البيانات المعلنة. جرى بيع حصص في 23 شركة حكومية بقيمة نحو 5.9 مليار دولار خلال الفترة من 2022 حتى 2025.

السؤال الأكبر: هل ينكمش القطاع العام لصالح اقتصاد أكثر كفاءة؟

بينما يرى مؤيدو الإصلاح أن تقليص حجم القطاع العام يساعد على خفض الأعباء المالية وتحسين الإنتاجية. يرى آخرون أن تقليص الوظائف الحكومية دون توسع موازٍ في فرص العمل المستقرة قد يخلق ضغوطًا اجتماعية جديدة.

ويبقى التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد المصري. هو تحقيق التوازن بين رفع كفاءة المؤسسات الحكومية والحفاظ على حقوق العمال وتوفير فرص عمل بديلة.

اقرأ أيضا

عمال سمنود للنسيج يرفضون فض إضرابهم رغم ضغوط الأمن الوطني

Exit mobile version