تقاريرمحلي

"السجن لا يعتقل شخصًا واحدًا".. زوجات وأمهات معتقلي الرأي يدفعن ثمن الانتظار

في كل مرة يُذكر فيها المعتقلون السياسيون في مصر، تتجه الأنظار عادة إلى الزنازين، وظروف الاحتجاز، وسنوات الغياب الطويلة.

لكن خلف أبواب السجون، وعلى مسافة بعيدة من الكاميرات، تعيش زوجات وأمهات المعتقلين معركة أخرى لا تقل قسوة؛ معركة يومية مع الوحدة، والقلق، وأعباء الإنفاق، وانتظار زيارة قد تستغرق أيامًا من الاستعداد من أجل ساعات أو دقائق قليلة.

فالسجن، كما تقول زوجات معتقلين وناشطات حقوقيات، لا يتوقف عند الشخص الذي يقبع خلف القضبان، بل يمتد أثره إلى أسرته، ويترك الزوجة في مواجهة مسؤوليات مضاعفة، بينما يكبر الأطفال على أسئلة لا تجد إجابات، وتتحول الحياة إلى دائرة متكررة من الانتظار والزيارة والعودة إلى بيت يملؤه الغياب.

وفي شهادات نقلها موقع «عربي21»، روت زوجات وأمهات لمعتقلين تفاصيل ما وصفنه بسنوات من الاستنزاف النفسي والصحي والمادي، في وقت تتواصل فيه المطالب الحقوقية بالإفراج عن المحتجزين على خلفية قضايا سياسية، وتحسين أوضاعهم وظروف احتجازهم.

«هل يمكن أن أراه؟».. لحظة انهيار أمام بوابة الزيارة

في شهادة نشرتها السيدة شيماء علي، زوجة المهندس والباحث والمحاضر المصري أيمن عبدالرحيم، المعتقل منذ يوليو 2018، ظهرت صورة مختلفة لما يحدث خارج أبواب السجن.

خلال إحدى الزيارات، نسيت زوجة أحد المعتقلين بطاقة هويتها. حاولت التوسل للسماح لها بالدخول، لكنها لم تنجح في البداية، بينما كان أطفالها يقفون إلى جوارها ينتظرون لحظة رؤية والدهم.

ومع تزايد شعورها بالعجز، انهارت السيدة وسقطت على الأرض، وأصيبت بتشنجات وسط خوف ابنتها وذهول ابنها.

وبعد لحظات من القلق، جاءت الموافقة على دخولها، فتحولت حالة اليأس إلى فرحة، لأن زيارة الزوج، بعد أيام أو أسابيع من الانتظار، لم تعد مجرد إجراء، بل أصبحت لحظة يتمسك بها أفراد الأسرة لمقاومة الغياب.

وفي موقف آخر خلال الزيارة نفسها، فقدت زوجة معتقل وعيها بعد سماع خبر وصف بالمفزع، بينما كانت شيماء علي تجلس مع زوجها. وطلب منها أيمن عبدالرحيم أن تذهب لمساعدتها.

لكن وسط مشاهد الألم، كانت هناك لحظات إنسانية صغيرة تقاوم القسوة. فعندما احتضنت شيماء طفلة كانت بالقرب منها، استيقظ لدى زوجها حنين إلى الأطفال والحياة التي توقفت خارج الأسوار.

وقبل انتهاء الزيارة، طلب منها ألا تغادر فورًا، وأمسك بذراعها وسار معها بين المقاعد، في لحظة بدت عادية بين زوجين، لكنها حملت معنى مختلفًا داخل مكان تحكمه القيود والمراقبة.

رسالة إلى زوج لن تصل

في بيت آخر، جلست الدكتورة منى المصري أمام خبر وفاة والد زوجها، الدكتور أحمد عبدالعاطي، سكرتير الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، المعتقل منذ عام 2013.

لم يكن زوجها إلى جوارها، ولم يكن يعلم بما جرى. فكتبت إليه رسالة تعرف أنها قد لا تصل.

قالت: «حبيبك أبي، توفاه الله يشكو ظلم الظالمين وجحود الجاحدين».

ثم كتبت عن رحيل آخر الأجداد، وعن سنوات لم يتمكن خلالها زوجها من وداع من فقدهم أو المشاركة في تشييعهم، مضيفة: «عقلي لا يستوعب أني ومنذ 10 سنوات لم أرك».

في تلك الكلمات، لا يظهر الغياب بوصفه مسافة زمنية فقط، بل حياة كاملة تمر خارج ذاكرة شخص معزول عن تفاصيل أسرته، بينما تحاول زوجته أن تحكي له ما حدث، حتى لو بقيت رسالتها بلا جواب.

أم تنتظر ابنها منذ 12 عامًا

أما أمل سليم، فتعيش مع انتظار مختلف؛ انتظار ابنها عمر محمد علي، المعتقل منذ 12 عامًا.

خلال إحدى الزيارات، بدا عمر متعبًا. وعندما سألته والدته، أخبرها بأنه أضرب عن الطعام خمسة أيام، وأن سنوات السجن الطويلة استنزفته.

تنقل عنه والدته قوله: «خلاص مش قادر»، و«تحملت كل السنين دي لأجلك».

تقول أمل إن حياتها توقفت منذ اعتقال ابنها. كانت تتمنى أن تراه يكبر أمامها، ويتخرج من الجامعة، ويتزوج، وأن تحتفل بأطفاله. لكنها بدلاً من ذلك أصبحت أيامها مرتبطة بمواعيد الزيارة.

تبدأ الرحلة قبل الزيارة بليلة؛ إعداد الطعام، وتجهيز المتطلبات، والسهر، ثم الاستيقاظ مبكرًا والسفر والانتظار لساعات تحت الشمس أو في الحر، قبل العودة مرهقة إلى المنزل.

وتقول: «بعدما نرجع ونرتاح من تعب الزيارة، نبدأ نفكر في الزيارة الجديدة».

بالنسبة إليها، لم يعد الأمر زيارة عابرة، بل دورة مستمرة من الجهد والقلق، استنزفت العمر والصحة والمال، وعلقت المستقبل عند سؤال واحد: متى تنتهي سنوات الانتظار؟

«أتحدث إلى صوره».. زوجة تواجه الوحدة

تصف نجلاء سلامة، زوجة الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبدالخالق فاروق، المعتقل منذ أكتوبر 2024، شعورها بالوحدة بعد غياب زوجها.

تقول إن حالتها الصحية دفعتها في بعض الأوقات إلى دخول غرفة العمليات وحدها، مضيفة: «أعتقد أنه ليس هناك قهر أكثر من هذا».

وتروي أنها قد تمضي أسبوعًا كاملًا داخل المنزل دون أن ترى أحدًا، ولا تتحدث إلا إلى صور زوجها.

لم يكن الغياب عاطفيًا فقط؛ فقد امتدت آثاره إلى الوضع المالي، بعد توقف بعض مصادر الدخل، فيما ابتعد بعض الأشخاص خوفًا أو حذرًا، بينما اقترب آخرون، بحسب قولها، بدافع البحث عن معلومات لا تعرف أين يمكن أن تصل.

لكن يوم الزيارة يحمل مشاعر متناقضة.

تقول إنها تشعر بالحزن أثناء إعداد الأشياء التي يحبها زوجها، لأنها تتمنى أن يكون في منزلهما ليشاركا الطعام والحياة اليومية. ثم، في طريقها إلى الزيارة، تشعر بحماس يشبه «المراهقة التي تذهب إلى أول موعد غرامي».

وعندما تنتهي الزيارة، يعود الحزن مرة أخرى، لأنها تتركه خلفها في مكان ترى أنه لا ينبغي أن يكون فيه.

وتقول إنها تحاول أن تشاركه حتى تفاصيل سجنه، فترتدي ملابس زرقاء في الزيارة، تشبه لون ملابسه داخل محبسه.

زوجات أصبحن عائلات كاملة

لا تتشابه حكايات الأسر، لكن تفاصيلها تتقاطع.

زوجة داعية معتقل تواصل العمل في كُتّاب لتحفيظ القرآن من أجل إعالة أسرتها. وزوجة معلم فُصل من عمله افتتحت محل بقالة لتغطية نفقات المنزل والزيارات وتعليم بناتها الأربع.

وأخرى تقسم وقتها بين زيارة زوجها وطفليها في ثلاثة سجون تقع في محافظات مختلفة، فيما أصيبت سيدة أخرى، بحسب روايات أسر المعتقلين، بتدهور صحي شديد بعد سنوات من الحزن على زوجها وأخيها وابنها.

وفي قصة أخرى، أعيرت زوجة إمام وخطيب معتقل ماكينة لتفريخ الدواجن، على أمل أن تصبح مصدر دخل يساعدها على إعالة أطفالها.

هذه النساء لم يخترن أدوارًا جديدة، لكن غياب الزوج أو الابن دفع كثيرات منهن إلى أن يصبحن المعيل، والأب، والأم، والمسؤولة عن الدراسة والعلاج والإيجار، إلى جانب مهمة الحفاظ على صورة الغائب حيّة داخل البيت.

«تحتضر ببطء خارج الأسوار»

تقول الناشطة السياسية والحقوقية أسماء مهاب إن الحديث عن الاعتقال يركز غالبًا على الزنزانة والأسوار، بينما تبقى معاناة الأسر أقل ظهورًا.

وترى أن الزوجة تُترك فجأة أمام حياة جديدة، تحمل فيها «وجع الفقد وثقل المسؤولية»، مؤكدة أن ما روته شيماء علي ليس مجرد تجربة فردية، بل صورة لآلاف الحكايات التي تعيشها أسر كثيرة بصمت.

وتروي مهاب قصة صديقة لها، تتحفظ على ذكر اسمها، تعاني مرضًا مزمنًا ولديها ثلاثة أبناء، فيما يقبع زوجها في السجن منذ أكثر من خمس سنوات.

بعد توقف دخل الأسرة، اضطرت الزوجة إلى العمل، لكن ما تحصل عليه لا يكفي لتغطية تكاليف التعليم والطعام والإيجار. ومع تزايد المصروفات، توقفت عن شراء بعض أدويتها لتوفير المال للمنزل ولرحلات الزيارة.

وتقول مهاب إن الزيارة بالنسبة إليها ليست ساعات قليلة، بل رحلة تمتد ثلاثة أيام. يوم لإعداد الطعام، ويوم للسفر والانتظار والتفتيش. ويوم ثالث تقضيه منهكة من شدة التعب.

وقد أثرت هذه الظروف على أبنائها؛ إذ اضطر أحدهم إلى العمل بجانب الدراسة لمساعدة الأسرة. بينما لا تزال طفلتها تسأل: «بابا جاي إمتى؟».

وفي إحدى المكالمات، قالت الزوجة لصديقتها: «أشعر أني غرقانة.. أي مصيبة في الدنيا لها آخر معروف، لكني أحس أني داخل كابوس لا أعرف له نهاية».

ورغم كل ذلك، لا تزال تتمسك بأمل بسيط؛ أن تسمع طرقًا على باب المنزل، فتفتحه لتجد زوجها قد عاد.

السجن يمتد إلى البيت

بين الزنازين والبيوت، تتشكل حياة أخرى لا تظهر في تقارير السجون؛ حياة نساء يحملن مسؤوليات أسر كاملة. ويواجهن الغلاء والمرض والوحدة، ويحاولن حماية أطفالهن من آثار غياب الأب أو الابن.

وتقول أسر المعتقلين إن الزيارة ليست مجرد لقاء، بل لحظة تمنحهم القدرة على الاستمرار. فيما تتحول العودة إلى المنزل إلى بداية انتظار جديد.

وبين أم تتمنى أن ترى ابنها حرًا قبل أن يرهقها العمر، وزوجة تكتب رسالة تعرف أنها قد لا تصل. وأخرى ترتدي لون ملابس زوجها كي تشعر أنها أقرب إليه، يبقى أثر السجن حاضرًا خارج الجدران.

فخلف كل اسم في قوائم المعتقلين، أسرة تنتظر، وبيت يحاول أن يظل قائمًا. وامرأة تدفع من صحتها ووقتها وعمرها ثمنًا لا يظهر في أرقام سنوات الاحتجاز.

وتختصر أسماء مهاب تلك الصورة بقولها إن هؤلاء النساء «لسن مجرد زوجات معتقلين. بل بطلات مجهولات يمتصصن الصدمات كل يوم لحماية بيوتهن من الانهيار».

وفي النهاية، يبقى مطلب كثير من هذه الأسر واحدًا: ألا يُنظر إلى السجن باعتباره عقوبة تقع على فرد فقط. بل تجربة تمتد آثارها إلى زوجة وأم وأطفال، يعيشون سنوات طويلة من الانتظار خارج الأسوار.

اقرأ أيضا

عماد جاد: فشل النظام في احتواء الأزمات قد يعيد الإخوان إلى الساحة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى