أعلنت وزارة الكهرباء رفع أسعار معظم شرائح استهلاك الكهرباء المنزلي بمتوسط 12%، مع الإبقاء على سعر الشريحة الأولى دون تغيير، في خطوة تعكس استمرار توجه الحكومة نحو تقليص الدعم تدريجيًا وتحميل المستهلك جانبًا أكبر من التكلفة الفعلية للطاقة.
وقالت الوزارة إن التعريفة الجديدة تستهدف الحفاظ على استقرار التغذية الكهربائية وضمان الاستدامة المالية لمنظومة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، مؤكدة أن الدولة ما زالت تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا لسد الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء والأسعار التي يدفعها المواطنون.
من دعم الخدمة إلى تحميل المستهلك التكلفة
تأتي الزيادة الجديدة في وقت تشهد فيه منظومة الدعم في مصر تحولات متسارعة، بعد سنوات من رفع أسعار الوقود وتقليص دعم عدد من السلع والخدمات، ما يثير تساؤلات بشأن اقتراب الكهرباء من مرحلة مشابهة لما حدث مع الخبز والسلع التموينية.
فبينما حافظت الحكومة على دعم الخبز من خلال منظومة بطاقات التموين، شهدت أسعاره المدعومة زيادات، كما تقلصت تدريجيًا قيمة الدعم الموجه لبعض السلع التموينية، مع اتجاه متزايد نحو إعادة هيكلة منظومة الدعم وتوجيهها إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
أما الكهرباء، فقد شهدت خلال السنوات الماضية زيادات متتالية، ضمن مسار يستهدف تقليص الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع للمستهلك.
وكانت الحكومة قد رفعت أسعار الكهرباء المنزلية في عام 2024 بنسب وصلت في بعض الشرائح إلى نحو 50%، في إطار خطة تدريجية لخفض دعم الطاقة.
وبذلك، لا تبدو الزيادة الأخيرة إجراءً منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسار طويل ينتقل تدريجيًا من مفهوم الدعم الشامل إلى نظام تتحمل فيه الأسر نسبة أكبر من تكلفة الخدمات الأساسية.
الشريحة الأولى بلا زيادة.. حماية محدودة للأقل استهلاكًا
أبقت وزارة الكهرباء سعر الشريحة الأولى دون تغيير، في محاولة لتخفيف أثر الزيادة على الأسر الأقل استهلاكًا، بينما شملت الزيادة باقي الشرائح بمتوسط 12%.
وتؤكد الحكومة أن الدعم لا يزال قائمًا، وأن نسبته تختلف بحسب حجم الاستهلاك، إذ تتحمل الدولة جزءًا من قيمة الفاتورة يتراوح بين 12% و75% وفقًا لمستوى الاستهلاك.
لكن هذا النظام يطرح تساؤلًا حول مدى قدرة الأسر محدودة ومتوسطة الدخل على البقاء داخل الشرائح الأقل، خاصة خلال فصل الصيف، عندما ترتفع معدلات تشغيل أجهزة التكييف والمراوح والثلاجات، ما قد يدفع بعض الأسر إلى شرائح أعلى رغم عدم تحسن دخولها.
وتشير بيانات الوزارة إلى أن حجم الدعم يتراجع كلما ارتفع الاستهلاك، بينما يدفع أصحاب الاستهلاك المرتفع نسبة أكبر من التكلفة الفعلية للكهرباء.
100 مليار جنيه.. دعم أم فجوة مالية؟
تستند الحكومة في تبرير الزيادة إلى أن الدولة تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا نتيجة الفارق بين تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة وسعر بيعه للمستهلكين.
وترى الحكومة أن استمرار هذا الفارق يفرض أعباء مالية كبيرة على قطاع الكهرباء، خاصة مع ارتفاع تكلفة الوقود، وزيادة احتياجات الاستيراد، وتغير أسعار الصرف، إلى جانب ارتفاع الطلب على الطاقة.
غير أن إعلان استمرار الدولة في تحمل 100 مليار جنيه، بالتزامن مع رفع الأسعار. يكشف أن الدعم لم يُلغَ بالكامل، لكنه أصبح محل إعادة توزيع وتقليص تدريجي. بحيث تنتقل نسبة متزايدة من التكلفة إلى المستهلك.
وفي هذا السياق، يبدو أن السؤال لم يعد: هل سترفع الحكومة دعم الكهرباء؟ بل: إلى أي مستوى ستصل أسعار الكهرباء قبل أن تقترب من التكلفة الكاملة؟
الكهرباء والخبز والتموين.. مسار اقتصادي واحد؟
منذ سنوات، تتجه السياسة الاقتصادية إلى تقليل الدعم العام واستبداله ببرامج حماية اجتماعية أكثر استهدافًا، مع تقليص الإنفاق الحكومي على دعم الطاقة والسلع والخدمات.
وشهدت أسعار الوقود زيادات متكررة، فيما جرى تعديل سعر رغيف الخبز المدعم. كما خضعت منظومة التموين لعمليات مراجعة وتنقية للبطاقات وإعادة تقييم للفئات المستحقة.
ومع الزيادات المتتالية في أسعار الكهرباء، أصبحت الخدمة الأساسية جزءًا من هذا المسار. خاصة أن الكهرباء لم تعد مجرد بند خدمي محدود، بل عنصرًا رئيسيًا في تكلفة المعيشة. وترتبط أسعارها بصورة غير مباشرة بتكاليف الإنتاج والنقل والتجارة والخدمات.
وبالتالي، فإن ارتفاع تعريفة الكهرباء قد لا يقتصر أثره على قيمة الفاتورة المنزلية. بل قد يمتد إلى أسعار السلع والخدمات إذا انعكست الزيادة على تكاليف التشغيل والإنتاج.
بين الاستدامة المالية والقدرة على التحمل
تؤكد الحكومة أن الزيادة ضرورية لضمان استمرار الخدمة وتوفير التمويل اللازم لمنظومة الكهرباء. بينما يواجه المواطنون ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتبقى المعضلة في تحقيق توازن بين الحفاظ على استقرار قطاع الكهرباء وتقليل الأعباء المالية على الدولة من جهة. وحماية الأسر من تراكم الزيادات في أسعار الخدمات الأساسية من جهة أخرى.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات. قد تتحول قضية الدعم من نقاش حول حجم الإنفاق الحكومي إلى سؤال أوسع. هل تستطيع دخول الأسر مواكبة انتقال تكلفة الخدمات الأساسية تدريجيًا من الموازنة العامة إلى فواتير المواطنين؟
تمثل زيادة أسعار الكهرباء الجديدة مؤشرًا على استمرار سياسة رفع الدعم التدريجي، مع الإبقاء على حماية محدودة للشريحة الأقل استهلاكًا.
وبينما تؤكد الحكومة أن الدولة ما زالت تتحمل 100 مليار جنيه سنويًا. تشير الزيادات المتكررة إلى أن المواطن يتحمل تدريجيًا حصة أكبر من تكلفة الطاقة. في مسار يشبه التحولات التي شهدتها منظومة الخبز والسلع التموينية ودعم الوقود خلال السنوات الماضية.
