تصعّد واشنطن ضد الإخوان؟ بين مكافحة الإرهاب وحماية إسرائيل وحسابات السياسة الإقليمية
تتسع دائرة الضغوط الأمريكية على جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في عدد من الدول، في تحرك لم يعد يقتصر على الجدل السياسي أو الدعوات التشريعية داخل الكونغرس، بل انتقل إلى إجراءات تصنيف وعقوبات تستهدف فروعًا وشخصيات مرتبطة بالجماعة.
وكانت الإدارة الأمريكية قد بدأت في نوفمبر 2025 إجراءات تستهدف فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان، قبل أن تعلن في يناير 2026 تصنيفات جديدة؛ إذ أدرجت واشنطن فرعي الجماعة في مصر والأردن ضمن قوائم العقوبات المرتبطة بالإرهاب، بينما منحت الجماعة الإسلامية في لبنان تصنيفًا أشد باعتبارها «منظمة إرهابية أجنبية».
وتطرح هذه الإجراءات سؤالًا يتجاوز الجانب القانوني: لماذا عادت جماعة الإخوان إلى صدارة أجندة الأمن القومي الأمريكي في هذا التوقيت؟ وهل يتعلق الأمر بخطر أمني مباشر، أم بتحولات أوسع في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة؟
غزة وحماس.. العامل الأكثر حضورًا
تضع الإدارة الأمريكية دعم حركة حماس في صدارة مبرراتها للتحرك ضد بعض فروع جماعة الإخوان.
وذكرت وزارة الخزانة الأمريكية أن إدراج فرعي الجماعة في مصر والأردن جاء بدعوى تقديم «دعم مادي» لحماس، بينما ربطت الإدارة الأمريكية تحركاتها بحماية الولايات المتحدة وحلفائها من نشاط الجماعة.
ويكتسب هذا التبرير أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة، وتحول مواجهة حماس إلى أحد المحاور الرئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
ومن هذا المنظور، يبدو أن واشنطن لا تتعامل مع الإخوان باعتبارها جماعة سياسية منفصلة تمامًا عن حماس، بل تنظر إلى بعض شبكاتها وفروعها من خلال العلاقة الفكرية والتنظيمية والتاريخية بالحركة الفلسطينية.
لكن منتقدي هذا التوجه يرون أن الربط بين جماعة واسعة ومتعددة الفروع وبين حماس لا يعني بالضرورة أن جميع أعضائها أو مؤسساتها يشاركون في أعمال مسلحة أو يقدمون دعمًا مباشرًا لها، خصوصًا أن فروع الجماعة تختلف من دولة إلى أخرى في طبيعة نشاطها ومواقفها السياسية.
حماية إسرائيل.. البعد غير المعلن
رغم أن الخطاب الأمريكي الرسمي يركز على مكافحة الإرهاب، فإن التصعيد جاء في سياق إقليمي تتصدر فيه حماية إسرائيل ومواجهة القوى الداعمة للفلسطينيين أولويات واشنطن.
وأشارت تقارير إلى أن الإدارة الأمريكية ربطت استهداف بعض فروع الإخوان بدعم حماس وبأنشطة اعتبرتها موجهة ضد المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
وهنا يبرز تفسير سياسي يرى أن الحملة قد تكون جزءًا من محاولة تجفيف البيئة السياسية والمالية والإعلامية التي تدعم المقاومة الفلسطينية أو تعارض السياسات الإسرائيلية، خاصة مع اتساع الاحتجاجات الدولية ضد الحرب على غزة.
وبذلك، قد يتحول ملف الإخوان من قضية تتعلق بجماعة بعينها إلى جزء من سياسة أوسع تستهدف الشبكات الإسلامية التي تتبنى خطابًا معاديًا لإسرائيل أو تدعم حماس سياسيًا أو ماليًا.
ضغوط الحلفاء الإقليميين
لا يمكن فصل التصعيد الأمريكي عن مواقف عدد من الحلفاء الإقليميين لواشنطن، الذين ينظرون إلى جماعة الإخوان باعتبارها تهديدًا سياسيًا وأيديولوجيًا.
فمصر تصنف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا منذ سنوات، كما اتخذت دول عربية أخرى إجراءات مماثلة ضدها. وقد ساهمت هذه المواقف في بناء تيار سياسي داخل الولايات المتحدة يدفع نحو تبني رؤية أكثر تشددًا تجاه الجماعة.
ويرى مراقبون أن تصنيف بعض فروع الإخوان قد يمنح واشنطن مساحة أكبر للتنسيق الأمني والسياسي مع حلفائها. كما يعزز موقف الحكومات التي تعتبر الجماعة تهديدًا لاستقرارها الداخلي.
لكن هذا التفسير يثير تساؤلًا آخر: هل تتبنى الولايات المتحدة تقييمًا أمنيًا مستقلًا. أم أنها تتأثر بحسابات حلفائها ومواقفهم من الجماعة؟
عودة ترامب وصعود التيار المحافظ
تزامن التصعيد مع عودة إدارة دونالد ترامب، التي تتبنى رؤية أكثر تشددًا تجاه الحركات الإسلامية. وتربط بين الإسلام السياسي والإرهاب بدرجة أكبر من الإدارات الأمريكية السابقة.
وكانت هناك محاولات داخل الكونغرس منذ سنوات لدفع واشنطن إلى تصنيف الإخوان منظمة إرهابية. لكنها واجهت اعتراضات قانونية وأمنية، بسبب طبيعة الجماعة اللامركزية واختلاف فروعها من دولة إلى أخرى.
كما تجددت التحركات التشريعية في عام 2025 بدعم من أعضاء جمهوريين وديمقراطيين.
ويعكس هذا التحول صعود تيار أمريكي يرى أن الإخوان تمثل «المصدر الفكري» لعدد من الحركات الإسلامية المسلحة. حتى إذا لم تكن جميع فروعها منخرطة في العنف.
لكن هذا التقييم محل خلاف؛ إذ يحذر باحثون ومنظمات حقوقية من التعامل مع الجماعة باعتبارها كيانًا واحدًا متجانسًا. بسبب اختلاف أدوار فروعها بين العمل السياسي والاجتماعي والدعوي. ووجود تجارب شاركت فيها بعض التيارات المرتبطة بها في الانتخابات والعمل البرلماني.



