في مؤتمر يحتفي بـ"مهما اغتربنا.. مصر تقربنا"، طمأن وزير العمل حسن رداد أبناء الوطن بالخارج بأن "وطنا ودولة قوية" يقفان خلفهم لحماية حقوقهم وصون كرامتهم.
لكن هذا الخطاب الدعائي الموجه للعمالة في الخارج يصطدم بفجوة موثقة حين يُقارن بواقع العمال داخل مصر نفسها: تقارير دولية متتالية، من الاتحاد الدولي للنقابات إلى لجنة خبراء منظمة العمل الدولية، تصف بيئة عمل محلية تشوبها عرقلة منهجية للتنظيم النقابي المستقل وفصل تعسفي متكرر لمن يحاولون المطالبة بحقوقهم.
فهل تنسحب "رعاية الدولة" المعلنة للمغتربين على نظرائهم العاملين على الأرض المصرية بنفس الدرجة؟
منظومة متكاملة على الورق.. من التأهيل إلى التوجيه قبل السفر
استعرض رداد أمام الجلسة العامة للمؤتمر منظومة شاملة تبدأ من تأهيل الشباب لسوق العمل عبر مراكز التدريب المهني، مرورا بمراجعة واعتماد عقود العمل ومتابعة شركات إلحاق العمالة، ووصولا إلى وحدة التوجيه ما قبل المغادرة التي تعرّف العامل بحقوقه قبل سفره.
أرقام دولية تناقض الصورة الرسمية للحماية النقابية محليا
لكن حين يُنظر إلى واقع العامل المصري داخل الحدود لا خارجها، تبرز صورة أكثر تعقيدا بكثير من خطاب "الرعاية الشاملة".
فقد صنّف مؤشر الحقوق النقابية العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات لعام 2026 مصر ضمن أسوأ عشر دول عالميا في أوضاع العمال، موثقا أن الحكومة المصرية "استمرت في تعزيز احتكار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر التابع للدولة" عبر عرقلة تسجيل النقابات المستقلة، إذ فشلت 14 نقابة مستقلة على الأقل في التسجيل خلال العام نفسه.
ووفق المؤشر، فرضت الحكومة متطلبات توثيق مبالغا فيها، وأخّرت أو رفضت إصدار شهادات التسجيل، فيما بقي شرط العضوية اللازم لتشكيل نقابة عامة (15 ألف عضو يمثلون عشر لجان نقابية) "غير واقعي" وفق وصف المؤشر نفسه.
فصل ونقل وملاحقات.. ثمن محاولة التنظيم المستقل
يكشف المؤشر الدولي أن العمال المصريين الذين حاولوا تشكيل نقابات مستقلة أو الانخراط في مفاوضة جماعية تعرضوا للفصل من العمل أو النقل، بينما واجه نشطاء عماليون خطر الاعتقال أو توجيه تهم متعلقة بالإرهاب لمجرد محاولة التنظيم النقابي.
ووصف المؤشر تدخل الدولة في انتخابات النقابات العمالية بأنه "منتشر ومنهجي"، معتبرا أن مناخ الخوف السائد جعل من "أماكن العمل الخطرة والممارسات غير العادلة" أمرا شائعا يضر بالعمال مباشرة.
هذا التوصيف يتقاطع مع ما رصدته منظمات حقوقية محلية، من بينها "لجنة العدالة"، التي وثّقت اعتقال عشرات العمال على خلفية مشاركتهم في احتجاجات مطلبية، وتعرض كثيرين منهم للفصل التعسفي وحرمانهم من حقوقهم القانونية.
قانون جديد.. وفجوة قديمة بين النص والتطبيق
رغم صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي تضمن مواد لحماية العمالة غير المنتظمة وإنشاء صناديق دعم وتأمين اجتماعي، تكشف تقارير متابعة ميدانية أن التطبيق العملي خلّف فجوة واسعة بين النص القانوني والواقع، إذ استمرت شركات عديدة في استخدام شركات التوريد والمقاولين كوسيلة للالتفاف على إثبات علاقة العمل المباشرة، ما يحرم العمال من الحماية القانونية الكاملة التي يفترض أن يكفلها القانون الجديد نظريا.
موقف رسمي مصري يرفض هذه التوصيفات جملة وتفصيلا
من المهم، حفاظا على توازن الصورة. الإشارة إلى أن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر رفض رسميا ما ورد في مؤشر الحقوق النقابية العالمي. معتبرا أن التقرير يتضمن "معلومات غير دقيقة واستنتاجات تفتقر إلى الموضوعية والتوازن".
واستند الاتحاد في رده إلى خطوات تشريعية معلنة، أبرزها قانون العمل الجديد نفسه. وتعزيز آليات الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج الثلاثة، وإنشاء مجلس التشاور الاجتماعي. إلى جانب التوسع في برامج الحماية الاجتماعية وتطوير منظومة السلامة والصحة المهنية.
احتجاجات متصاعدة تعكس أزمة أجور موازية
إلى جانب ملف الحريات النقابية، رصدت تقارير محلية موجة من الاحتجاجات العمالية المرتبطة بتآكل الأجور. من بينها وقفات احتجاجية لعمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي في القاهرة والجيزة والشرقية وبني سويف والمنيا. طالبوا خلالها بمطالب وصفتها منظمات حقوقية بأنها "حقوق أقرتها الدولة نفسها". مثل تطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف علاوات متأخرة منذ عام 2016 وتثبيت العمالة المؤقتة.
