نجت قرية جصفا بمركز ميت غمر في الدقهلية من كارثة إنسانية بفارق دقائق فقط، حين انهار منزل مكون من ثلاثة طوابق فوق مسجد مجاور بُعيد انتهاء صلاة الجمعة مباشرة، في توقيت لو اختلف بربع ساعة فقط لكان قد أودى بحياة عشرات المصلين.
لكن ما يرفع هذه الواقعة من مجرد حادث عرضي إلى أزمة تستحق تحقيقا جادا هو تفصيل واحد يتكرر في كل التغطيات: العقار المنهار لم يكن مبنى قديما متهالكا، بل شُيّد قبل ثلاثة أشهر فقط من تاريخ انهياره.
نجاة بفارق دقائق.. والتوقيت وحده منع كارثة بشرية
بحسب فيديو متداول وثّق اللحظات الأولى للحادث، سقطت أجزاء كبيرة من العقار فوق المسجد المجاور بعد دقائق معدودة فقط من مغادرة المصلين، وهو ما وصفته تغطيات متعددة بأنه العامل الحاسم في تجنب سيناريو كارثي محتمل.
حالة الذعر التي انتابت الأهالي دفعتهم للهرع فورا إلى موقع الانهيار للاطمئنان على سلامة المصلين وسكان المنطقة، وسط مخاوف أولية من وجود ضحايا تحت الأنقاض، قبل أن يتأكد لاحقا عدم تسجيل أي وفيات أو إصابات.
عمر العقار.. السؤال الذي يتصدر كل التغطيات
يمثل عمر المبنى القصير -ثلاثة أشهر فقط منذ تشييده وفق إفادات سكان القرية- جوهر الجدل الذي أثاره الحادث.
فالانهيارات في مصر غالبا ما ترتبط في الذهنية العامة بمبانٍ قديمة متهالكة أو مخالفة تراكمت عليها عوامل التعرية عبر سنوات، بينما يكسر هذا الحادث تحديدا هذا التصور المعتاد، إذ يطرح احتمالا أكثر إثارة للقلق: وجود خلل في جودة التنفيذ أو المواد المستخدمة أو التصميم الهندسي نفسه، ظهر أثره خلال أشهر معدودة فقط من الانتهاء من البناء.
لجنة هندسية من جامعة المنصورة.. تحرك رسمي سريع
استجابة لحجم القلق الذي أثاره الحادث، تابع محافظ الدقهلية اللواء طارق مرزوق مستجدات الواقعة ميدانيا. ووجه بتشكيل لجنة هندسية وفنية متخصصة بالتنسيق مع كلية الهندسة بجامعة المنصورة، لبحث الأسباب الفنية الدقيقة وراء الانهيار. ومراجعة كامل ملف التراخيص والرسومات الهندسية وأعمال التنفيذ الخاصة بالعقار.
إشراك جهة أكاديمية متخصصة إلى جانب الجهات التنفيذية المحلية يعكس إدراكا لحساسية الواقعة. ورغبة في تقديم تفسير فني موثوق يتجاوز الانطباعات الأولية المتداولة بين الأهالي.
مياه الصرف الصحي.. فرضية أهالي تحتاج تأكيدا فنيا
طرح عدد من سكان القرية فرضية أولية مفادها. أن أزمة الصرف الصحي وتسربات المياه المتكررة في محيط العقار قد تكون من العوامل التي أسهمت في الانهيار. وهي فرضية تتقاطع مع شكوى منفصلة لأهالي القرية من انتشار واسع لمياه الصرف الصحي في عدد من الشوارع. تزامنت مع وقوع الحادث.
لكن من المهم التعامل مع هذا التفسير كفرضية أهلية أولية لا كسبب مؤكد. إذ إن السبب الفني الفعلي للانهيار لم يُعلن رسميا بعد. وينتظر صدور تقرير اللجنة الهندسية المشكلة لتحديد الأسباب الحقيقية بدقة، سواء ارتبطت بضعف التربة نتيجة تسربات المياه. أو بمخالفات في التنفيذ والمواد، أو بخلل في التصميم الإنشائي نفسه.
أزمة أوسع.. تساؤلات حول متانة المباني الحديثة في مصر
تجاوز الجدل حدود القرية والحادث الفردي. إذ أثار ناشطون ومدونون على منصات التواصل الاجتماعي نقاشا أوسع حول متانة المباني الحديثة في مصر عموما. وشروط منح تراخيص البناء للمقاولين، متسائلين عن مدى المتابعة الميدانية الفعلية للأجهزة الحكومية المختصة للتأكد من التزام المقاولين بالشروط الهندسية والفنية المطلوبة أثناء التنفيذ لا عند منح الترخيص فقط.
هذا التساؤل يكتسب مشروعية إضافية في ضوء عمر العقار المنهار القصير. إذ إن انهيار مبنى حديث التشييد بهذا الشكل يفتح الباب أمام مساءلة أوسع تتجاوز الحادث الفردي إلى منظومة الرقابة على جودة البناء في القرى والمناطق الريفية تحديدا. حيث تكون آليات المتابعة الهندسية أقل صرامة عادة مقارنة بالمدن الكبرى.
