من "بيت الوطن" إلى "معاشك بكرة".. جيوب المصريين بالخارج لأداة دائمة لجمع الدولار
"مهما اتغربنا.. مصر تقربنا".. شعار عاطفي رفعته وزارة الخارجية في مؤتمرها السابع للمصريين بالخارج، لكن خلف هذا الخطاب الوجداني، يكشف تتبع سلسلة المبادرات الحكومية الموجهة للمغتربين المصريين عبر السنوات الأخيرة عن نمط واحد متكرر بثبات لافت: كل مبادرة، مهما اختلف قطاعها الظاهري -سكن، سيارات، تأمين- تشترك في هدف واحد غير معلن دائما بنفس الوضوح: تحصيل العملة الصعبة تحديدا، لا الجنيه المصري. وثيقة "معاشك بكرة بالدولار" ليست استثناء عن هذه القاعدة، بل أحدث حلقاتها.
تأمين للتقاعد.. أم قناة تحصيل دولارية جديدة؟
يوضح البروتوكول الموقع بين وزارة الخارجية وشركة مصر لتأمينات الحياة أن الهدف المعلن يتجاوز حدود الخدمة التأمينية للمغترب نفسه، إذ ينص صراحة على أن الوثيقة تساهم في "تعظيم واستقرار التحويلات الدولارية، التي تُعتبر من أهم مصادر النقد الأجنبي" لمصر.
هذه الصياغة الرسمية، الواردة في بيان الوزارة ذاته لا في تأويل خارجي، تكشف أن الدافع الاقتصادي الكلي للدولة حاضر بوضوح إلى جانب -أو ربما قبل- الفائدة الفردية المباشرة للمشترك المغترب، وهو ما يستدعي قراءة الوثيقة في سياقها الأوسع لا كمنتج تأميني معزول.
سابقة "بيت الوطن".. سكن بشرط العملة الصعبة
لم تكن هذه المرة الأولى التي تصمم فيها الدولة مبادرة موجهة حصريا للمصريين بالخارج بشرط الدفع بالعملة الأجنبية.
فمبادرة "بيت الوطن" التي أطلقتها وزارة الإسكان لتوفير وحدات سكنية للمغتربين، اشترطت أن يتم السداد بالدولار أو ما يعادله من العملات الأجنبية، رغم أن المنتج نفسه -وحدة سكنية داخل مصر- كان من الممكن نظريا تسويقه بالجنيه المصري كأي مشروع إسكاني آخر موجه للمقيمين.
اختيار العملة الأجنبية تحديدا كشرط أساسي، لا كخيار بديل، يكشف أن الهدف من المبادرة لم يكن توفير مسكن للمغترب فحسب، بل استقطاب مدخراته الدولارية تحديدا إلى داخل الجهاز المصرفي المصري.
مبادرة السيارات.. نموذج أكثر وضوحا في الربط بالدولار
تكرر النمط ذاته مع مبادرة استيراد السيارات للمصريين بالخارج، التي اشترطت إيداع مبالغ مالية بالدولار كمقابل للحصول على الإعفاءات الجمركية الممنوحة.
هنا كان الربط بين "الامتياز الممنوح" و"العملة الصعبة المطلوبة" مباشرا وصريحا بشكل يصعب معه الفصل. بين المبادرة كخدمة تسهيلية للمغترب وبين كونها آلية منظمة لضخ دولارات جديدة في الاقتصاد المصري عبر بوابة تسهيلات استهلاكية جذابة.
"معاشك بكرة بالدولار".. تحصيل ممتد لعقود لا دفعة واحدة
تتميز وثيقة التأمين الجديدة عن سابقتيها في السكن والسيارات بميزة إضافية من منظور الدولة. فبينما كانت مبادرتا الإسكان والسيارات تحصيلا لمبلغ دولاري "دفعة واحدة" أو محدودة الأقساط. تقوم وثيقة "معاشك بكرة" على مبدأ "الادخار التراكمي" الممتد لسنوات طويلة حتى سن التقاعد الذي يختاره المشترك.
هذا يعني عمليا أن الحكومة، عبر شركة التأمين الحكومية، تضمن تدفقا دولاريا منتظما وممتدا زمنيا من المغترب. لا مجرد حقنة نقدية عابرة كما في المبادرات السابقة. وهو ما يجعلها من الناحية الاقتصادية البحتة أداة أكثر استدامة لتأمين تدفقات نقد أجنبي طويلة الأجل.



