"مستقبل مصر".. كيان اقتصادي بصلاحيات واسعة تحت الرئاسة: لماذا خارج هيكل الحكومة؟
أعاد القرار الجمهوري الجديد بشأن تشكيل مجلس إدارة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة فتح النقاش حول طبيعة هذا الكيان ودوره داخل الدولة المصرية، خصوصًا بعد أن أصبح الجهاز بموجب قانون جديد هيئة اقتصادية ذات طبيعة خاصة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، وتتمتع باستقلال فني ومالي وإداري.
وأصدر عبد الفتاح السيسي، اليوم الخميس، القرار رقم 328 لسنة 2026 بتشكيل مجلس إدارة الجهاز برئاسة الدكتور بهاء الدين الغنام، وعضوية عدد من الوزراء والخبراء في مجالات التخطيط والاقتصاد والموارد المائية والري والتمويل والإدارة والقانون.
أربعة وزراء داخل مجلس إدارة الجهاز
ويضم التشكيل الجديد عددًا من الوزراء والمسؤولين والخبراء، من بينهم وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، ووزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، إلى جانب أحمد رستم، ورشا عياد راغب، وخالد سري صيام، وعادل اللبان، إلى جانب اللواء أمير سيد أحمد.
وتكشف طبيعة التشكيل عن محاولة جمع الملفات التي ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والمائي والتخطيط والاستثمار والتمويل داخل كيان واحد، بدلًا من توزيعها بالكامل بين الوزارات والهيئات التقليدية.
لماذا لا يتبع «مستقبل مصر» الحكومة؟
الإجابة الأساسية موجودة في القانون الذي أعاد تنظيم الجهاز مؤخرًا.
فالقانون رقم 147 لسنة 2026 ينص على أن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة جهاز قومي ذو طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري.
وبالتالي، فإن الجهاز ليس وزارة جديدة بالمعنى القانوني، ولا هيئة تابعة لمجلس الوزراء، وإنما كيان مستقل نسبيًا في هيكله الإداري، مع ارتباط مباشر بمؤسسة الرئاسة.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الجهاز مختلفًا عن الهيكل الحكومي المعتاد؛ فالوزارات تعمل ضمن السلطة التنفيذية من خلال مجلس الوزراء، بينما يمنح القانون الجهاز قناة ارتباط مباشرة برئيس الجمهورية.
هل أصبح الجهاز «حكومة موازية»؟
وصف الجهاز بأنه «حكومة موازية» سيكون توصيفًا سياسيًا أكثر منه وصفًا قانونيًا دقيقًا؛ فهو لا يحل محل الحكومة ولا يمتلك، بحسب النص المنشور، اختصاصات جميع الوزارات.
لكن التساؤل يصبح مفهومًا بالنظر إلى اتساع نطاق اختصاصاته وطبيعة تبعيته المباشرة للرئاسة.
فالقانون الجديد لم يعد يحصر دوره في مشروع زراعي أو مجموعة من مشروعات الاستصلاح، بل أعاد تقديمه ككيان اقتصادي واسع النشاط يرتبط بالتنمية الزراعية والصناعية واستيراد السلع، مع صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والاستثمار وإدارة الأصول وغيرها.
وهنا تظهر المعضلة: إذا كانت الدولة تمتلك وزارة للزراعة ووزارة للتموين ووزارة للتخطيط ووزارة للري، فلماذا تحتاج إلى كيان اقتصادي آخر يضم وزراء هذه الوزارات داخل مجلس إدارته؟
جهاز يجمع التخطيط والتنفيذ والاستثمار
الأكثر إثارة للنقاش هو أن الجهاز، بحسب تقييم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية للقانون، يجمع بين وظائف متعددة تشمل التخطيط ووضع القواعد والترخيص والتخصيص والاستثمار وإدارة الأصول والتحصيل والرقابة.
وهذا يخلق نموذجًا مختلفًا عن الإدارة الحكومية التقليدية؛ إذ لا يقتصر دور الجهاز على تنفيذ سياسة وضعتها وزارة مختصة. وإنما يمتلك مساحة واسعة للتحرك باعتباره كيانًا اقتصاديًا مستقلًا.
ومن الناحية الحكومية، يمكن تبرير النموذج باعتباره وسيلة لتجاوز البطء البيروقراطي، وجذب الاستثمارات. وإدارة المشروعات الكبرى بعقلية اقتصادية أكثر مرونة من الجهاز الإداري للدولة.
لكن من ناحية أخرى، يفتح النموذج أسئلة مشروعة حول تداخل الاختصاصات، وحدود الرقابة، وشفافية إدارة الأصول العامة. والفصل بين وضع السياسات وتنفيذها والاستثمار فيها.
لماذا اختارت الرئاسة هذا النموذج؟
يمكن قراءة إنشاء الجهاز وتوسيـع صلاحياته في إطار توجه واضح لدى الدولة خلال السنوات الأخيرة نحو إنشاء كيانات متخصصة. لإدارة مشروعات استراتيجية بعيدًا عن الهياكل الوزارية التقليدية.
الفكرة المعلنة هي أن المشروعات الكبرى تحتاج إلى كيان يتمتع بسرعة اتخاذ القرار والاستقلال المالي. والقدرة على التعامل مع المستثمرين وإدارة الأصول والمشروعات على أسس اقتصادية.
لكن هذا النموذج يطرح في المقابل سؤالًا أكبر: هل المشكلة في أداء الدولة هي نقص الكيانات. أم ضعف التنسيق والرقابة داخل الكيانات القائمة؟
فإضافة كيان جديد قد ترفع الكفاءة إذا كانت صلاحياته واضحة ومحددة. لكنها قد تؤدي إلى مزيد من التشابك إذا تداخلت اختصاصاته مع الوزارات والهيئات الموجودة بالفعل.
ومن يراقب الجهاز؟
هذه هي النقطة الأكثر أهمية في تقييم التجربة.
القانون الجديد شهد تعديلات خلال مناقشته في مجلس النواب، ومن بينها توسيع نطاق الرقابة البرلمانية والرقابة المالية مقارنة بالصياغات الأولى. كما أشار تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى إدخال رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وتعديلات على بعض الاستثناءات.
ومع ذلك، يبقى السؤال السياسي والاقتصادي قائمًا: هل تكفي الرقابة على جهاز يتمتع بهذا القدر من الاستقلال المالي والإداري، بينما يتبع رئيس الجمهورية مباشرة.



