أعلنت الأكاديمية الوطنية للتدريب توليها التنسيق مع وزارة الشباب والجهات المعنية لإطلاق منصة وطنية تفاعلية للشباب تحت رعاية عبد الفتاح السيسي، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي للشباب، في خطوة تقدمها الدولة باعتبارها مساحة للمشاركة وطرح الأفكار والمبادرات والتفاعل مع القضايا التي تشغل الشباب.
وتقول الأكاديمية إن المنصة تأتي تنفيذًا لتكليف رئاسي، وإن هدفها الأساسي هو تعزيز مشاركة الشباب في العمل العام، وإتاحة مساحة للتعبير عن الأفكار والمبادرات، وربطها بجهود الدولة في إعداد وتأهيل وتمكين الأجيال الجديدة.
لكن الإعلان يفتح في الوقت نفسه سؤالًا أوسع حول طبيعة هذه المنصة وحدود استقلالها: هل ستكون بالفعل قناة تسمح للشباب بالتعبير بحرية عن آرائهم ومشكلاتهم وانتقاداتهم، أم أنها ستتحول إلى أداة جديدة لقياس اتجاهات الشباب ومعرفة ما يدور داخل المجتمع، خصوصًا في ظل تجربة ثورة 25 يناير التي كان الشباب وقودها الأساسي؟
من «تمكين الشباب» إلى الاستماع إلى الشباب
تؤكد المدير التنفيذي للأكاديمية الوطنية للتدريب، سلافه جويلي، أن المنصة تستهدف الانتقال من مجرد الاستماع إلى الشباب إلى إشراكهم وتمكينهم من تحويل أفكارهم إلى مبادرات وتأثير ملموس.
وبحسب التصور المعلن، ستوفر المنصة مساحة لطرح المبادرات والمشاركة في العمل التطوعي وخدمة المجتمع والتفاعل مع القضايا المرتبطة بحياة الشباب ومستقبلهم.
لكن نجاح الفكرة لن يتوقف على وجود منصة إلكترونية أو عدد المسجلين فيها، وإنما على طبيعة المساحة التي ستوفرها للشباب: هل سيكون مسموحًا لهم بطرح المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وانتقاد السياسات الحكومية بحرية، أم ستقتصر المشاركة على المبادرات المجتمعية والأنشطة الشبابية التي تتوافق مع الخطاب الرسمي؟
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في المشروع.
هل تستمع الدولة للشباب أم تراقبهم؟
في ظل الطبيعة المركزية التي تتسم بها المؤسسات الرسمية المعنية بالشباب، قد تتحول أي منصة حكومية تجمع أعدادًا كبيرة من الشباب إلى مصدر ضخم للمعلومات حول اهتماماتهم وتوجهاتهم ومشكلاتهم.
فالمنصة، إذا صُممت بطريقة تسمح بجمع وتحليل البيانات والتعليقات والمقترحات، يمكن أن تمنح الدولة صورة واسعة عن ما يشغل الشباب، وما يغضبهم، والقضايا التي تحظى باهتمامهم، والمناطق أو الفئات التي تعاني من مشكلات متكررة.
وهذا الاستخدام ليس بالضرورة سلبيًا في حد ذاته؛ فمعرفة اتجاهات المجتمع يمكن أن تساعد الحكومة على تصميم سياسات أكثر ملاءمة.
لكن المشكلة تبدأ إذا تحولت المنصة من وسيلة للمشاركة إلى أداة للرصد السياسي والاجتماعي، خصوصًا إذا لم تكن هناك قواعد معلنة بشأن البيانات التي ستجمعها، وكيفية تخزينها، ومن يملك حق الوصول إليها، وما إذا كانت المشاركات النقدية يمكن أن تترتب عليها تبعات بالنسبة إلى أصحابها.
درس «25 يناير»
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مصر، حيث لعب الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في الحشد والاحتجاجات التي سبقت ثورة 25 يناير 2011.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدولة أكثر إدراكًا لأهمية الفضاء الرقمي باعتباره ليس مجرد وسيلة للتواصل، وإنما مساحة يمكن من خلالها رصد التحولات في الرأي العام وتحديد القضايا التي يمكن أن تتحول إلى مصادر للاحتقان.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إنشاء منصة رسمية للشباب من منظورين مختلفين.
الأول، وهو الرواية الرسمية، يتمثل في رغبة الدولة في الاقتراب من الشباب والاستماع إلى مطالبهم وإشراكهم في صناعة السياسات والمبادرات.
أما المنظور الآخر فيطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت الدولة تريد أيضًا إنشاء قناة مباشرة. لمعرفة ما يفكر فيه الشباب قبل أن تتراكم مشكلاتهم وتتحول إلى احتجاجات جماعية. خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتحديات سوق العمل والهجرة وتراجع الثقة في المؤسسات لدى قطاعات من الشباب.
الاختبار الحقيقي: هل تسمح المنصة بالانتقاد؟
المؤشر الأهم على جدية المشروع لن يكون عدد المشاركات أو المبادرات التي سيتم إطلاقها. وإنما نوعية الآراء التي ستسمح المنصة بظهورها.
إذا كان بإمكان شاب أن يكتب أن البطالة تمثل مشكلة، وأن أسعار السكن والزواج أصبحت خارج قدرته. وأنه يرفض سياسة اقتصادية معينة، أو ينتقد أداء مؤسسة حكومية. ثم يحصل على رد رسمي واضح دون حذف أو تضييق أو تخويف. فستكون المنصة خطوة فعلية نحو المشاركة.
أما إذا اقتصرت على المبادرات التطوعية، والمسابقات، والأنشطة الشبابية، والرسائل الإيجابية. بينما جرى استبعاد القضايا السياسية والاقتصادية الحساسة. فإنها ستتحول عمليًا إلى منصة تواصل حكومي مع الشباب أكثر من كونها منصة مستقلة للتعبير عنهم.
البيانات والخصوصية.. السؤال الغائب
هناك جانب آخر لم يتضح بعد، يتعلق بالبيانات التي ستجمعها المنصة.
فحتى الآن، الإعلان عن المشروع لم يوضح بشكل كافٍ طبيعة البيانات المطلوبة من المستخدمين. أو آليات حماية الخصوصية، أو ما إذا كانت المشاركات ستستخدم لأغراض إحصائية فقط أم ستخضع للتحليل الفردي.
وتزداد أهمية هذه التفاصيل إذا كانت المنصة ستعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف أو ملايين المشاركات وتصنيف اهتمامات الشباب واتجاهاتهم.
لذلك فإن شفافية قواعد استخدام البيانات ستكون عاملًا أساسيًا في تحديد. ما إذا كان الشباب سينظرون إلى المنصة باعتبارها مساحة آمنة للتعبير. أم باعتبارها قناة رسمية أخرى تخضع للمراقبة.



