تدريبات كبيرة للجيش وسط عاصفة إقليمية.. ماذا تختبر مصر في سيناء وقناة السويس؟
نفذت القوات المسلحة مشروع مراكز القيادة الاستراتيجي التعبوي بنطاق الجيش الثاني الميداني، بحضور شخصي من وزير الدفاع الفريق أشرف سالم زاهر ورئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، في تدريب استمر عدة أيام ضمن الخطة السنوية المعلنة.
لكن الصياغة الرسمية المقتضبة -"خطة تدريب سنوية"- لا تفسر وحدها سبب تسليط الضوء الإعلامي المكثف على هذا التمرين تحديدا، ولا اختيار توقيته وسط مشهد إقليمي شديد الاضطراب تحيط فيه بمصر جبهات متوترة من كل الاتجاهات تقريبا.
الجيش الثاني.. ليس تشكيلا عاديا بل حارس أخطر بقعتين في مصر
يكمن جزء من الإجابة في طبيعة الجيش الثاني الميداني نفسه، الذي يحظى بأهمية استثنائية في المنظومة الدفاعية المصرية كونه المسؤول عن أكثر المناطق حساسية استراتيجيا واقتصاديا: شبه جزيرة سيناء وقناة السويس معا.
اختيار هذا التشكيل تحديدا، لا أي جيش آخر، لاستضافة تمرين قيادي رفيع المستوى بحضور وزير الدفاع شخصيا، يحمل دلالة لا تحتاج إلى تفسير معقد: فالمنطقة الواقعة تحت مسؤوليته تشكل نقطة تقاطع مباشرة مع كل الأزمات المشتعلة حاليا في محيط مصر الإقليمي.
"عقل الحرب" لا العضلات.. ماهية التدريب الفعلية
بحسب تحليل عسكري متخصص، فإن هذا النوع من التدريبات الاستراتيجية التعبوية يستهدف تحديدا مراكز قيادة التشكيلات الكبرى -الجيشين الثاني والثالث الميدانيين والمناطق العسكرية وقوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب- لا القوات الميدانية المباشرة.
الهدف ليس اختبار قوة السلاح، بل قدرة مراكز القيادة على بناء صورة دقيقة للموقف واتخاذ القرار في التوقيت المناسب، وضمان التكامل بين القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي.
بعبارة أخرى: هذا تدريب على "عقل" إدارة الأزمة لا على "عضلات" تنفيذها، وهو نوع من التمارين الذي يكتسب أهمية مضاعفة تحديدا حين تتعدد مصادر التهديد المحتملة وتتطلب تنسيقا لحظيا بين عدة جبهات دفاعية في آن واحد.
قناة السويس تحت الاختبار.. من دمياط إلى البحر الأحمر
يصعب فصل هذا التدريب عن سلسلة أحداث أمنية طالت البنية الملاحية والساحلية المصرية خلال الفترة الأخيرة، أبرزها هجوم المسيّرة الذي استهدف سفينتي غاز في ميناء دمياط، والذي لا تزال تداعياته وتحقيقاته مفتوحة، إلى جانب التوترات المستمرة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب نتيجة هجمات الحوثيين على السفن التجارية، والتي أثرت بالفعل على إيرادات قناة السويس بمليارات الدولارات بحسب تصريحات رسمية سابقة.
هذا السياق يجعل من تدريب قيادة الجيش الثاني -المسؤول المباشر عن حماية القناة وسواحلها- أمرا يتجاوز الروتين التدريبي السنوي المعتاد إلى اختبار عملي لجاهزية التعامل مع تهديدات غير تقليدية باتت واقعا مثبتا لا احتمالا نظريا فقط.
سيناء وغزة.. جبهة لم تهدأ رغم "وقف إطلاق النار"
من جهة أخرى، يقع الجيش الثاني على تماس مباشر مع الحدود الشرقية المطلة على قطاع غزة. في وقت لا يزال الوضع هناك متفجرا رغم الحديث عن مراحل متعاقبة من اتفاق وقف إطلاق النار. وسط استمرار استقبال مصر لجرحى فلسطينيين عبر معبر رفح للعلاج في مستشفياتها.
هذا الواقع يضع قوات الجيش الثاني في موقع مسؤولية مزدوجة: إدارة ملف إنساني معقد على الحدود من جهة. والحفاظ على تأهب أمني كامل من جهة أخرى. في ظل هشاشة أي هدوء نسبي قد ينقلب سريعا كما شهدت المنطقة مرارا خلال الأشهر الماضية.
توقيت متزامن مع تصعيد إقليمي أوسع
يأتي هذا التدريب أيضا في ظل مناخ إقليمي عام مشحون بالتصعيد. من المواجهة الأمريكية الإيرانية المستمرة في مضيق هرمز والتي طالت تداعياتها الاقتصادية مصر مباشرة عبر أسعار الطاقة وحركة الملاحة العالمية. إلى التوترات المستمرة على الحدود الغربية مع ليبيا.
هذا التزامن بين تدريب قيادي رفيع المستوى في منطقة الجيش الثاني وبين مشهد إقليمي متعدد الجبهات. يعزز فرضية أن الهدف غير المعلن صراحة يتجاوز "الروتين السنوي" إلى رسالة جاهزية عملية موجهة لعدة أطراف في آن واحد. طمأنة داخلية بقدرة الدولة على إدارة أزمات متزامنة. ورسالة ردع خارجية لأي طرف قد يفكر في استغلال انشغال مصر بملفات أخرى. دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادا لمواجهة محددة مع طرف بعينه.



