احتكار الأرز.. كيف يعزز "جهاز مستقبل مصر" سيطرته الاقتصادية رغم "مدنيته" الجديدة؟
بينما تحظر مصر تصدير الأرز على القطاع الخاص منذ ثماني سنوات كاملة حفاظا على الموارد المائية الشحيحة، حصل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على استثناء يتيح له وحده تصدير 200 ألف طن حتى نهاية العام المقبل، في قرار لم يُعلن عنه رسميا واكتُشف عبر خطاب داخلي بين الوزارة والجمارك.
هذا الامتياز الحصري ليس واقعة معزولة، بل امتداد لمسار متسارع يكشف كيف يواصل هذا الجهاز، رغم نقل تبعيته الرسمية من وزارة الدفاع إلى رئاسة الجمهورية مؤخرا، توسيع نفوذه في قطاعات اقتصادية حيوية متزايدة، من الأرز إلى القمح ومصايد الأسماك والإسكان الفاخر.
تصدير حصري بلا إعلان.. تفاصيل القرار
بحسب خطاب رسمي مؤرخ في 13 أغسطس الجاري، وقّعته رئيسة قطاع الاتفاقيات والتجارة الخارجية بوزارة الاستثمار أماني الوصال، وافق وزير الاستثمار محمد فريد صالح على تمديد فترة تصدير كميات من الأرز حتى نهاية 2026، بما يتيح لجهاز مستقبل مصر تصدير 200 ألف طن، سواء مباشرة أو عبر جهات يفوضها الجهاز نفسه.
اللافت أن هذا القرار جاء تمديدا لقرار سابق صدر في 24 يونيو الماضي لم يُعلن عنه هو الآخر وقتها، ما يعني أن الجهاز يحصل على امتيازات تصديرية متتالية بعيدا عن أي شفافية إعلامية أو رقابة برلمانية معلنة، رغم أن الأمر يتعلق بمورد استراتيجي حساس يخضع لحظر صارم منذ 2016.
من حظر شامل إلى استثناء لجهة واحدة
فرضت الحكومة المصرية حظرا كاملا على تصدير الأرز بموجب قرار وزاري رقم 722 لسنة 2016، بهدف معلن هو الحفاظ على الموارد المائية الشحيحة في ظل تأثر مصر بكميات المياه الواردة إليها من النيل بسبب سد النهضة الإثيوبي، وهو الحظر الذي جددته الحكومة مجددا في فبراير 2025.
لكن هذا الحظر الصارم ظاهريا لم يمنع بروز استثناءات فعلية: فقد سبق أن أعلنت شركة "أبناء سيناء" التابعة لمجموعة العرجاني تصدير الأرز إلى 18 دولة رغم الحظر المعلن، وفق ما كشفه تحقيق صحفي سابق.
والآن يحصل جهاز مستقبل مصر على تصريح رسمي ومباشر بالتصدير، ما يكشف أن "الحظر" الذي يُطبق بصرامة على القطاع الخاص العادي يصبح مرنا حين يتعلق الأمر بجهات محددة ذات نفوذ خاص داخل هيكل الدولة.
تكليفات رئاسية لحصر التصدير في يد الجهاز وحده
في أبريل الماضي، خاطب جهاز مستقبل مصر مصلحة الجمارك لحظر خروج أي شحنات أرز من مصر دون موافقته المباشرة. مستندا في ذلك إلى ما وصفه بـ"تكليفات رئاسية" تقصر صلاحية تصدير الأرز على الجهاز دون غيره. مع اشتراط توريد حصيلة التصدير من العملة الصعبة إلى البنك المركزي مقابل الجنيه.
هذه الصياغة تكشف بوضوح أن الجهاز لا يسعى فقط للحصول على حصة تصديرية لنفسه. بل يعمل على احتكار صلاحية التصدير بالكامل كملف حصري. بما يحوّله عمليا إلى البوابة الوحيدة المصرح لها بالتعامل مع هذا المورد الاستراتيجي. متجاوزا بذلك أي منتج أو تاجر آخر في السوق المصرية.
من إشراف الجيش إلى "حاضنة أعمال" تابعة للرئاسة.. تحول شكلي أم جوهري؟
بدأ نشاط الجهاز عام 2017 تحت إشراف القوات الجوية المصرية باسم "مشروع مستقبل مصر". قبل أن يُنشأ رسميا كأحد أجهزة وزارة الدفاع بقرار رئاسي عام 2022.
وفي 2026، أصدر السيسي قانونا جديدا (رقم 147 لسنة 2026) ينقل تبعية الجهاز من القوات المسلحة إلى رئاسة الجمهورية مباشرة. محولا إياه إلى هيئة اقتصادية "ذات طبيعة خاصة" تتمتع باستقلال مالي وإداري وفني كامل.
لكن هذا التحول في التبعية الرسمية لم يُقابله أي تقليص فعلي في نطاق صلاحيات الجهاز. بل جاء مصحوبا بالعكس تماما: منحه صلاحيات إضافية لضم أراضٍ وشركات تابعة للدولة. وإدارة "مناطق تنمية مستدامة" معفاة من الضرائب، وتأسيس صناديق استثمارية سيادية جديدة كصندوق "أهرامات النيل".
نطاق تمدد يتجاوز الأرز بكثير
لا يقتصر توسع الجهاز على ملف الأرز. إذ يدير منذ 2024 واحدة من أكبر عمليات استيراد القمح على مستوى العالم، ويتولى إدارة بحيرات ومصايد سمكية كبرى في مصر. واستحوذ على الحصة الأكبر في البورصة السلعية المصرية. إلى جانب توسع أنشطته لتشمل قطاعات بعيدة تماما عن مجاله الزراعي الأصلي كالإسكان الفاخر والتشييد والطاقة المتجددة. بل وحتى تصنيع حليب الأطفال الرضع.
هذا الانتشار الأفقي المتسارع عبر قطاعات اقتصادية متباينة تماما يثير تساؤلا جوهريا حول حدود دور جهاز واحد . نشأ أصلا بإشراف عسكري ولا يزال محاطا بغموض في آليات رقابته المالية. في هيمنته المتنامية على مفاصل اقتصادية متعددة ومتباعدة. بمعزل عن أي منافسة حقيقية من القطاع الخاص.
شركة وطنية جديدة.. وتوسع مستمر في هيكل السيطرة
يكشف آخر التطورات عن تأسيس جاري حاليا لشركة وطنية مشتركة تضم الجهاز إلى جانب وزارتي التموين والزراعة. تحت علامة تجارية باسم "Carry On"، لتكون الذراع التنفيذية لما يسمى "البرنامج الوطني لخفض الأعباء المعيشية". وتتولى إدارة شبكة كاملة من المنافذ والأسواق الثابتة والمتحركة.
هذا التوسع المستمر، القائم على تكرار نمط "دمج الجهاز مع كيانات حكومية أخرى" في مشروعات جديدة. يعزز فرضية أن نقل التبعية الاسمية لرئاسة الجمهورية لم يكن نهاية مسار تمدد الجهاز في الاقتصاد المصري. بل ربما كان محطة تنظيمية ضمن مسار أوسع لتكريس دوره كلاعب اقتصادي مركزي يصعب منافسته. أو مساءلته بنفس الدرجة التي تخضع لها كيانات القطاع الخاص التقليدية.



