بينما تبحث أوروبا عن مصادر بديلة للغاز منذ سنوات، لم تكن مصر بحاجة لامتلاك حقول غاز إضافية لتستفيد من هذا التوجه، بل وجدت نفسها في موقع لا غنى عنه لأي دولة تريد تصدير غازها من شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية: فبنيتها التحتية لتسييل الغاز باتت المعبر الإجباري الوحيد أمام حقول قبرصية بأكملها، وفي مقدمتها حقل "كرونوس" الذي تراهن عليه نيقوسيا لتتحول إلى مصدر غاز بديل لأوروبا.
هذا الموقع الجغرافي والتقني الفريد يمنح القاهرة أوراق ضغط ومكاسب متعددة المستويات، تتجاوز حدود العائد المالي المباشر إلى مكانة إقليمية أوسع.
لا خيار أمام قبرص سوى المرور عبر مصر
يوضح أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأمريكية في مصر جمال القليوبي أن حقول الغاز القبرصية لا تملك بديلا فعليا عن الربط بمحطات التسييل المصرية لتصنيع غازها وتصديره لأوروبا، مستندا إلى أن مصر تمتلك أكبر محطات إنتاج وتسييل غاز في المتوسط بأكمله، إلى جانب خطوط ربط دولية قادرة فعليا على تصدير الغاز للجانب الأوروبي.
هذا الاحتكار التقني الفعلي، غير المعلن كسياسة رسمية لكنه قائم بحكم الجغرافيا والبنية التحتية، يعني أن أي استثمار أوروبي ضخم في حقول قبرص -من شركات مثل إيني الإيطالية وتوتال إنيرجيز الفرنسية- سيمر حتما عبر الأراضي والمنشآت المصرية في مرحلة ما من دورة الإنتاج والتصدير.
آلية المشروع.. من "كرونوس" إلى دمياط ثم أوروبا
يعتمد تطوير حقل "كرونوس" القبرصي على مسار واضح يمر بمصر في محطة محورية: إنشاء خط أنابيب يربط الحقل ببنية "حقل ظهر" المصري في شرق المتوسط، ثم نقل الغاز القبرصي إلى محطة التسييل في دمياط شمال مصر، قبل شحنه بحرا نهائيا إلى الأسواق الأوروبية، على أن تبدأ الإمدادات الفعلية بحلول مارس 2028.
هذا المسار يعني أن الغاز القبرصي، رغم أن منشأه وملكيته الأساسية قبرصية أوروبية، سيمر فعليا عبر الأراضي المصرية ويُعالج بمعدات مصرية قبل أن يصل لمستهلكه النهائي في أوروبا، ما يمنح مصر دورا تشغيليا مباشرا في سلسلة الإمداد لا مجرد دور المراقب أو الجار الإقليمي.
مكاسب اقتصادية مزدوجة.. رسوم تسييل وشراكات استثمارية متبادلة
يشير القليوبي إلى أن الشركات الأوروبية الكبرى العاملة في تطوير الحقول القبرصية تمتلك في الوقت ذاته استثمارات قائمة بالفعل في حقول الغاز المصرية نفسها، ما يجعل الربط بين الحقلين القبرصي والمصري جزءا طبيعيا من استراتيجية توسع هذه الشركات نفسها، لا صفقة منفصلة تتفاوض عليها مصر من موقع أضعف.
هذا التداخل في الاستثمارات يعني عمليا أن مصر تستفيد من قناتين متوازيتين: عائد مباشر من رسوم تسييل الغاز القبرصي العابر لمحطاتها، ومكاسب غير مباشرة من تعميق استثمارات الشركات الأوروبية ذاتها في حقولها المحلية كجزء من الصفقة الأشمل.
مكانة إقليمية تتجاوز الحدود المصرية القبرصية الثنائية
يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي أن قبرص تمثل "نافذة مهمة" لمصر نحو الأسواق الأوروبية في مجال الغاز والطاقة عموما، لا في ملف الغاز القبرصي وحده.
ويضيف بيومي أن ربط الاستثمارات القبرصية واليونانية معا بالبنية التحتية المصرية يعزز مكانة القاهرة الإقليمية في قطاع الغاز. ويدعم تفعيل "منتدى غاز شرق المتوسط" الذي يتخذ من القاهرة مقرا له منذ تأسيسه عام 2019.
بهذا المعنى، فإن الاستفادة المصرية من الملف القبرصي ليست مكسبا ثنائيا محدودا. بل تعزيز لموقع مصر كمركز إقليمي جامع يستقطب حوله دول الحوض الشرقي للمتوسط بأكمله، من اليونان إلى قبرص.
حلقة ثلاثية مكتملة.. تمهيد للربط مع اكتشافات اليونان المستقبلية
يذهب القليوبي أبعد من ذلك. معتبرا أن الربط بين الحقول القبرصية والمصرية يمثل خطوة تمهيدية لربط مستقبلي مع اكتشافات غاز محتملة في اليونان. في إطار آلية التعاون الثلاثي القائمة بالفعل بين الدول الثلاث منذ عام 2014. والتي عقدت جولتها العاشرة بالقاهرة في يناير من العام الماضي.
هذا يعني أن مصر لا تبني موقعها فقط على أساس الجغرافيا الحالية لحقل "كرونوس" القبرصي. بل تضع نفسها مسبقا كنقطة العبور الطبيعية لأي إنتاج غاز مستقبلي في شرق المتوسط بأكمله. بما يوسع نافذة المكاسب المصرية زمنيا لتشمل مشروعات لم تتحقق بعد.
تفعيل الاتفاقيات القائمة.. لا مجرد توقيعات شكلية
في اتصاله الهاتفي الأخير مع نظيره القبرصي كونستانتينوس كومبوس. شدد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي على أهمية "تفعيل" الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين. بما يترجم قوة العلاقات السياسية إلى "مشروعات ومصالح مشتركة ملموسة".
هذا التأكيد على كلمة "التفعيل" تحديدا يعكس إدراكا مصريا لضرورة تحويل الاتفاقيات الإطارية القائمة منذ سنوات -بما فيها اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص الموقع منذ 2003- إلى مشروعات تنفيذية فعلية تدر عائدا ملموسا. لا الاكتفاء بالإطار الدبلوماسي الرمزي القائم بالفعل بين البلدين.
اقرأ أيضا
