عربي ودولي

معركة إرادات لا مفاوضات.. من "يرمش أولا" بين أمريكا وإيران قبل انتهاء الهدنة؟

مع اقتراب موعد انتهاء مهلة مذكرة وقف إطلاق النار الأمريكية الإيرانية يوم الاثنين، لا تبدو العاصمتان منشغلتين فعليا بالبحث عن تسوية دائمة، بقدر ما تبدوان غارقتين في اختبار متبادل لقدرة كل طرف على تحمل الضغط لأطول فترة ممكنة.

فبينما تراهن واشنطن على تشديد الحصار الاقتصادي وخنق الصادرات الإيرانية، تراهن طهران على ورقتها الأكثر إيلاما: تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وإبقاء أسعار الطاقة العالمية مرتفعة، في مسعى للضغط على الرئيس دونالد ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

من ملف نووي إلى معركة تحمّل اقتصادي

يصف مسؤول أمريكي المفاوضات الحالية بأنها "جامدة تماما"، بينما ينفي مسؤول إيراني رفيع وجود أي محادثات فعلية لتمديد الهدنة، مشترطا عودة واشنطن أولا لالتزاماتها بموجب اتفاق يونيو الماضي.

هذا التبادل من الاتهامات يعكس تحولا جوهريا في طبيعة المواجهة: من نقاش تقني حول الملف النووي، إلى صراع إرادات سياسي واقتصادي بحت، يحاول فيه كل طرف كسب مزيد من الوقت وفق حساباته الداخلية الخاصة، لا وفق جدول زمني تفاوضي مشترك.

ويرى عدد من المحللين أن هذا الجمود الظاهري ليس غياب استراتيجية، بل هو الاستراتيجية بعينها: ترامب يشتري الوقت حتى موعد الانتخابات، فيما تراهن طهران على أن تصبح كلفة استمرار إغلاق هرمز على الاقتصاد العالمي أعلى من كلفة أي تنازلات تقدمها هي.

ثلاثة مراكز قرار إيرانية.. انقسام حقيقي أم توزيع أدوار مدروس؟

تُرجع الإدارة الأمريكية جزءا من تعثر المفاوضات إلى تعدد مراكز القرار داخل النظام الإيراني، الموزعة بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والقيادة الحكومية، بحيث لا يضمن الاتفاق مع طرف موافقة الأطراف الأخرى، ما يجعل المفاوض الإيراني يبدّل مواقفه أو يعجز عن الالتزام بتعهدات قابلة للتنفيذ فعليا.

لكن تفسير المشهد بوصفه مجرد "صراع أجنحة" داخلي قد يكون مبالغا فيه؛ فالأرجح أن هناك تنافسا حقيقيا على النفوذ بين حكومة معنية بإنقاذ الاقتصاد ومؤسسات أمنية تنظر للحرب كمعركة بقاء وجودي، لكن هذا التنافس يقابله توافق واضح على خطوط حمراء مشتركة: رفض إظهار أي مظهر للاستسلام، والتمسك بورقة هرمز، وعدم تقديم تنازلات نووية دون رفع كامل للعقوبات وتحرير الأموال المجمدة.

حتى الحديث الأمريكي المتكرر عن "الانقسام الإيراني" قد يكون هو نفسه جزءا من التكتيك التفاوضي، إذ يتيح لواشنطن تحميل طهران مسؤولية استمرار الجمود.

هرمز.. الورقة التي تقلب موازين القوة التقليدية

لم يعد مضيق هرمز مجرد ملف جانبي في هذه المواجهة، بل تحول إلى جوهرها المباشر، إذ يمنح إيران قدرة على إلحاق ضرر اقتصادي عالمي يفوق بكثير حجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية التقليدية مجتمعة.

وتكشف بيانات تتبع السفن أن 13 سفينة فقط عبرت المضيق يوم الخميس، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميا قبل اندلاع الحرب، مع لجوء معظم السفن العابرة للمسار الشمالي الخاضع للإدارة الإيرانية.

كما اتهمت الإمارات إيران بمهاجمة سفينة تابعة لشركة "أدنوك" النفطية، في ثالث حادث مماثل خلال أسبوع واحد فقط، دون أن تعلن طهران مسؤوليتها رسميا عن الحادث.

هذا التكرار في استهداف السفن يثبت عمليا أن الحصار الأمريكي، رغم قسوته، لم ينزع من إيران قدرتها على التحكم في مستوى المخاطر الأمنية المحيطة بالملاحة الدولية.

مطالب إيرانية متصاعدة.. وخط أحمر أمريكي واضح

توسّعت مطالب طهران تدريجيا من مجرد رفع الحصار وتحرير الأصول المجمدة، إلى المطالبة بتعويضات عن أضرار الحرب ووقف كل أشكال التهديد ضدها وضد حلفائها. مع سعيها لتكريس حقها في تنظيم حركة المرور عبر المضيق أو حتى فرض رسوم عليه. وهو ما تعتبره واشنطن خطا أحمر مطلقا لا مجال للتفاوض بشأنه. لا رسوم، ولا قيود، ولا أي اعتراف بسيطرة إيرانية منفردة على الممر.

وفي مقابل تصريح سابق لترامب بأنه سيجعل المضيق "أرضا أمريكية" بعد هزيمة إيران. أوضح مسؤول في البيت الأبيض أن التصريح جاء "على سبيل المزاح". لكنه رغم ذلك يعكس عمق المأزق القائم: فبينما تتحدث واشنطن عن سيطرتها على الممر. تثبت أرقام الملاحة الفعلية أن قرار السفن لا يزال محكوما بمنطق "الإذن الإيراني" أكثر من أي ضمانة أمريكية معلنة.

حسابات انتخابية أمريكية تصطدم بمنطق "اقتصاد البقاء" الإيراني

يسعى ترامب لإبطاء وتيرة الحرب حتى موعد الانتخابات النصفية. متجنبا أي تصعيد عسكري واسع قد يرفع أسعار النفط والبنزين محليا أكثر مما هي عليه بالفعل. بعدما بلغ متوسط سعر الغالون 4.08 دولار في الولايات المتحدة.

ورغم إقراره بأن الأمريكيين قد يضطرون لدفع المزيد، أكد ترامب في خطاب بنيويورك أنه لن يعتذر عن الحرب. معتبرا أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يستحق هذا الثمن.

لكن ترتيب الأولويات داخل الإدارة نفسها بدا متذبذبا. إذ اعتبر نائب الرئيس جي دي فانس خفض أسعار الطاقة "الهدف الأول" متقدما على منع إيران من التسلح النووي. قبل أن تتدخل المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت لتؤكد تساوي الهدفين. في مؤشر على أن ضغط الحاجة لحل سريع في هرمز بات يتقدم عمليا على أي تسوية نووية شاملة.

في المقابل، تراهن طهران على أن الزمن الانتخابي الأمريكي أقصر من قدرتها هي على تحمل الضغط. بعدما انتقلت لما يوصف بـ"اقتصاد البقاء" القائم على التقنين وتحميل الأسر الإيرانية كلفة الأزمة. مع منطق مفاده أن الألم الاقتصادي الأمريكي، وإن كان أقل حدة نسبيا. يبقى أكثر حساسية على المستوى السياسي الداخلي لإدارة ترامب.

اقرأ أيضا

ترامب يلمح إلى اتفاق قريب بشأن مضيق هرمز.. ويعد بفتحه اليوم أو غدا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى