حين تقول دراسة علمية إن الأسرة المصرية المتوسطة تحتاج 32 ألف جنيه شهرياً لتغطية احتياجاتها الأساسية، وأن الحد الأدنى للأجر لا يُغطي سوى ربع هذا المبلغ فالسؤال الذي يفرض نفسه بحدة ليس عن الطبقة الوسطى التي يصفها النموذج، بل عن الملايين الذين يعيشون تحت هذا المستوى أصلاً.
ما الذي يعيشه المصري الذي يتقاضى 4 أو 5 آلاف جنيه أو لا يتقاضى شيئاً منتظماً أصلاً؟ الأرقام التي رصدتها دراسة بيت الخبرة البرلماني بحزب العدل ليست مجرد إحصاءات بل هي صورة بالغة القسوة لواقع يعيشه الأكثر هشاشة في صمت.
الدراسة.. وما وراء النموذج الأساسي
اعتمدت دراسة «كم ينفق المواطن المصري في يومه؟ 2026» نموذجاً لأسرة حضرية متوسطة من أربعة أفراد تقيم في مسكن متوسط وطفلان في التعليم الحكومي. وخلصت إلى أن هذه الأسرة تحتاج شهرياً إلى:
- 8320 جنيهاً للغذاء شاملاً الخبز المدعم
- 6000 جنيه للسكن
- 5200 جنيه للتعليم (الدروس الخصوصية وحدها 62% منها)
- 3640 جنيهاً للنقل
- 2200 جنيه للصحة
- 1891 جنيهاً للمرافق والاتصالات
- 4800 جنيه للملابس والاحتياجات الاجتماعية والطوارئ
المجموع: 32051 جنيهاً أي 267 جنيهاً يومياً للفرد الواحد.
لكن هذا النموذج يصف الطبقة الوسطى المُعانِية فماذا عمن هم أدنى منها؟
الفجوة الحقيقية.. حين يكون الراتب ربع الاحتياج
أظهرت الدراسة بوضوح أن:
الحد الأدنى للأجر الحكومي (8000 جنيه) لا يُغطي سوى 25% من تكلفة المعيشة بفجوة شهرية تبلغ 24051 جنيهاً.
الحد الأدنى في القطاع الخاص (7000 جنيه) لا يُغطي سوى 21.8% بفجوة 25051 جنيهاً.
وهذه الأرقام تصف حالة من يمتلك عملاً ثابتاً، فكيف يكون الحال لملايين يعملون في الاقتصاد غير الرسمي بأجور يومية متقطعة؟
الفقراء الحقيقيون.. من لا تصفهم الدراسة
الدراسة التزمت منهجياً بنموذج «الطبقة الوسطى» — وهو اختيار واعٍ. لكن ما تحته يستحق التأمل:
العمال غير الرسميين: يُشكّلون وفق تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء نحو 60% من سوق العمل المصري عمال يومية وباعة متجولون وعمال زراعيون وحرفيون دخلهم يتراوح عادة بين 2000 و5000 جنيه شهرياً. هؤلاء يواجهون بنود الإنفاق ذاتها لكن بنصف أو ثلث الدخل.
أصحاب المعاشات: يزيد عددهم على 11.5 مليون مواطن أغلبهم يتقاضون معاشات بين 1500 و4000 جنيه شهرياً. معاش لا يكفي ثمن سلة الغذاء وحدها وفق أرقام الدراسة.
أسر الريف والمناطق العشوائية: حيث تتراكم المعاناة بصورة مضاعفة مع ضعف البنية التحتية وغياب التأمين الصحي وتردي التعليم وارتفاع تكاليف النقل إلى المدن.
الأسر الأحادية المعيل: المرأة التي تعول أسرتها وحدها في سياق ارتفاع الأسعار تجد نفسها في مواجهة معادلة مستحيلة رياضياً.
الخبز.. القصة التي تختصر كل شيء
لعل الرقم الأكثر إيلاماً في الدراسة هو ما كشفته عن الخبز المدعم آخر خط دفاع للفقراء. فمنذ 2014 تقلّص وزن الرغيف من 130 جراماً إلى 70 جراماً أي تراجع 46% في الكمية بينما قفز سعره من 5 قروش إلى 150 قرشاً، أي ارتفاع 30 ضعفاً في السعر.
والأسرة التي تستهلك 600 رغيف شهرياً تدفع اليوم 900 جنيه مقابل خبز أقل حجماً مما كانت تحصل عليه. أما من يستهلك أكثر وهم كثيرون في الأسر الكبيرة الفقيرة فالحساب يزداد قسوة.
الدروس الخصوصية
من أكثر الأرقام دلالةً أن 62% من الإنفاق التعليمي يذهب للدروس الخصوصية وهذا في نموذج الطفلين الملتحقَين بالتعليم الحكومي المجاني. هذا يعني أن «مجانية التعليم» في مصر باتت شعاراً لا واقعاً إذ لا يستطيع الطالب الاعتماد على المدرسة وحدها للنجاح، فيُضطر الأهل إلى إنفاق ما يعجزون عنه.
أما أبناء الفقراء الذين لا يستطيع أهلهم دفع ثمن الدروس؟ يتخرجون بشهادات هشّة أو يتسربون من التعليم كلياً، مما يُعيد إنتاج الفقر في الجيل التالي.
الطوارئ والصحة.. الهشاشة المؤجلة
خصصت الدراسة 2200 جنيه شهرياً للإنفاق الصحي في نموذجها وهو رقم يستوعبه المتوسط بصعوبة. لكن الفقير حين يمرض يواجه خيارين مُرَّين: إما الاستدانة، وإما تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.
ومستشفيات التأمين الصحي الحكومي التي يُفترض أنها الملاذ تشهد اكتظاظاً وشح أدوية وضعف خدمة تجعل كثيرين يفضلون عليها العيادات الخاصة التي لا يتحملون تكلفتها.
وبند «الطوارئ» في الدراسة 2400 جنيه هو ما يُميّز الطبقة الوسطى المُعانِية عن الفقير الحقيقي الذي لا يملك هذا الهامش أصلاً.
ما لا تقوله الأرقام.. الكرامة المكسورة
خلف كل هذه الأرقام واقع إنساني أقسى مما تستطيع الجداول وصفه الأم التي تُقلّل من طعامها لتُطعم أبناءها، والأب الذي يسهر ليلاً يحسب ما لا يكفي، والجد الذي يخفي عن أحفاده أنه لا يملك ثمن الدواء، والشاب الذي يُرجئ الزواج عاماً بعد عام لأن الأرقام لا تجتمع أبداً.
ماذا تقول الأرقام للسياسة؟
ما تكشفه الدراسة بوضوح هو أن سياسات الأجور ومستويات الدعم الاجتماعي في مصر تسير في اتجاه معاكس لتطور تكاليف المعيشة والهوّة بين الاثنين تتسع لا تضيق. ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه الذي احتُفي به إعلامياً لا يغطي في الحقيقة سوى ربع ما يحتاجه المواطن المتوسط فكيف بمن هو دون ذلك؟
اقرأ أيضا



