573 قتيلاً في 18 شهرًا.. هل أصبحت التصفية الأمنية بديلاً عن المحاكمة؟
أثار تقرير جديد صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية جدلًا واسعًا بشأن سياسة استخدام القوة من جانب قوات الأمن المصرية، بعدما رصد مقتل 573 شخصًا في عمليات أمنية أعلنت عنها وزارة الداخلية خلال الفترة من يناير 2025 وحتى نهاية يونيو 2026، وسط مطالبة بفتح تحقيقات قضائية مستقلة في تلك الوقائع.
وقال التقرير إن وزارة الداخلية أصدرت 206 بيانات رسمية أعلنت خلالها مقتل مئات الأشخاص الذين وصفتهم في أغلب الحالات بأنهم "عناصر إجرامية شديدة الخطورة"، مؤكدة أن القتلى سقطوا بعد "مبادرتهم بإطلاق النار" على القوات، بينما اختتمت البيانات عادة بالإشارة إلى أنه "تم اتخاذ الإجراءات القانونية"، دون الإعلان عن نتائج تحقيقات مستقلة في استخدام القوة.
573 قتيلًا خلال عام ونصف
وبحسب التقرير، بلغ عدد القتلى الذين أعلنت عنهم وزارة الداخلية 404 أشخاص خلال عام 2025 وحده، إضافة إلى 169 شخصًا خلال النصف الأول من عام 2026، ليصل الإجمالي إلى 573 قتيلًا خلال 18 شهرًا.
ورأت المبادرة أن هذا العدد يفوق بكثير عدد أحكام الإعدام القضائية المنفذة خلال الفترة نفسها، معتبرة أن غياب التحقيقات المستقلة يجعل من الصعب التحقق من مدى قانونية استخدام القوة القاتلة في تلك الوقائع.
"الداخلية هي الخصم والحكم"
وأشار التقرير إلى أن الرواية الرسمية الصادرة عن الجهة المنفذة للعملية الأمنية لا يمكن أن تكون، بمفردها، دليلًا على قانونية استخدام القوة، خاصة في ظل غياب تحقيقات قضائية معلنة أو رقابة مستقلة على تلك العمليات.
وأكدت المبادرة أنها لا تجزم بأن جميع الوقائع تمثل حالات إعدام خارج نطاق القضاء، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن عدم فتح تحقيقات مستقلة يحول دون التحقق من مدى التزام قوات الأمن بالقانون والمعايير الدولية.
واقعة مطروح نموذجًا
واستشهد التقرير بقضية مقتل الشابين يوسف السرحاني وفرج الفزاري في محافظة مطروح خلال أبريل 2025. والتي أثارت آنذاك جدلًا واسعًا بعد تضارب روايات وزارة الداخلية مع شهادات الأهالي.
وقالت المبادرة إن تلك الواقعة أبرزت أهمية إجراء تحقيقات مستقلة للفصل بين الروايات المختلفة. والكشف عما إذا كان استخدام القوة القاتلة ضروريًا أم كان بالإمكان القبض على المشتبه بهم وإحالتهم إلى القضاء.
استناد إلى القانون والدستور
وأوضح التقرير أن قانون هيئة الشرطة المصري يسمح باستخدام السلاح في حالات محددة، باعتباره الوسيلة الأخيرة للقبض على المتهم. مع ضرورة الالتزام بمبدأ التناسب والإنذار المسبق، وأن يكون التصويب – كلما أمكن – نحو الساقين وليس بقصد القتل.
كما استند التقرير إلى المادة (96) من الدستور المصري التي تنص على أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". وإلى المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل الحق في الحياة.
دعوات لمراجعة التشريعات
وطالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. بتشكيل لجنة مستقلة تمتلك صلاحيات كاملة للتحقيق في جميع وقائع الوفاة الناتجة عن تدخل قوات الأمن. ومراجعة قانون هيئة الشرطة وقانون مكافحة الإرهاب بما يضمن توافقهما مع المعايير الدولية لاستخدام القوة.
كما دعت مجلس النواب إلى تعديل التشريعات المنظمة لاستخدام السلاح. وإقرار آليات مستقلة لمحاسبة رجال الشرطة في حال ثبوت وقوع تجاوزات.
ملف يثير انتقادات حقوقية متكررة
ويأتي التقرير في سياق انتقادات متكررة توجهها منظمات حقوقية مصرية ودولية لملف استخدام القوة في مصر. حيث تطالب هذه المنظمات بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الوقائع التي تنتهي بمقتل مشتبه بهم خلال المداهمات الأمنية.



