منع التصوير داخل المصالح الحكومية.. كيف يوثق المواطن التجاوزات بحقه؟
أعادت واقعة المشادة التي شهدها مكتب تأمينات الهرم، وانتشر مقطع مصور لها على مواقع التواصل الاجتماعي، فتح جدل أوسع من تفاصيل الواقعة نفسها، يتعلق بحق المواطن في توثيق ما يتعرض له داخل المصالح الحكومية، خصوصًا عندما يكون الطرف الآخر في الواقعة موظفًا عامًا، وتتحول الشكوى لاحقًا إلى مواجهة بين روايتين يصعب حسمها دون دليل.
وجاء بيان الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ليؤكد اتخاذ إجراءات قانونية تجاه عمليات التصوير داخل مقارها التي تتم دون إذن مسبق، مشيرة إلى أن الواقعة المتداولة جرى رصدها وإحالتها إلى التحقيق، وأن التحقيقات انتهت إلى اتخاذ إجراءات تأديبية بحق الموظفين الذين ثبتت مسؤوليتهم.
في المقابل، شددت الهيئة على أنها لا تسمح بأي تجاوز أو إساءة في التعامل مع المواطنين، مؤكدة أن مخالفة تعليمات حسن معاملة الجمهور ستواجه وفق الإجراءات القانونية.
لكن بيان الهيئة يطرح سؤالًا يتجاوز واقعة تأمينات الهرم: إذا كان المواطن يتعرض لتجاوز داخل مصلحة حكومية، وكان الموظف هو الطرف الآخر في الواقعة، فما الوسيلة التي يستطيع من خلالها المواطن إثبات ما حدث إذا مُنع من توثيقه؟
واقعة الهرم.. عندما تتحول الكاميرا إلى دليل
المقطع الذي جرى تداوله من داخل مكتب تأمينات الهرم لم يكن مجرد تسجيل لمشادة عابرة، بل أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من النقاش العام حول الواقعة.
وبحسب رواية الموظفة التي ظهرت لاحقًا في فيديو عبر «فيسبوك»، فإن المقطع المتداول لم يتضمن جميع تفاصيل ما حدث، وأنها اضطرت إلى الرد بعدما انتشر الفيديو، مؤكدة أن ما ظهر في التسجيل لا يمثل «كل الحقيقة».
وهنا تظهر المشكلة بوضوح: إذا كان التسجيل لا يعرض كامل الواقعة، فالحل الطبيعي هو التحقيق في الوقائع والاطلاع على جميع الأدلة والشهادات، وليس بالضرورة إلغاء وسيلة التوثيق نفسها.
فالكاميرا التي قد يستخدمها مواطن لتوثيق ما يعتبره تجاوزًا بحقه، يمكن في الوقت نفسه أن تستخدم لإظهار براءة موظف اتُّهم ظلمًا، أو كشف أن مقطعًا جرى اقتطاعه من سياقه.
منع التصوير يطرح معادلة صعبة
لا خلاف على حق المؤسسات الحكومية في تنظيم العمل داخل مقارها، وحماية خصوصية المواطنين والموظفين، ومنع تعطيل العمل أو تصوير بيانات شخصية لا تخص صاحب الهاتف.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول منع التصوير إلى قاعدة عامة دون توفير بديل عملي وفعال يستطيع المواطن من خلاله توثيق الواقعة وإثبات شكواه.
فالمواطن الذي يدخل مصلحة حكومية لإنهاء معاش أو معاملة أو استخراج مستند. قد يجد نفسه في مواجهة موظف يرفض طلبه أو يسيء معاملته أو يتجاوز في استخدام سلطته. وفي تلك اللحظة قد لا يكون أمامه شاهد مستقل، ولا تسجيل مكتوب. ولا وسيلة أخرى لإثبات تفاصيل الحوار الذي دار.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح المسألة في النهاية رواية المواطن في مواجهة رواية الموظف.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية وجود وسائل مؤسسية بديلة للتوثيق، بدلًا من الاكتفاء بمنع المواطن من استخدام هاتفه.
هل يكفي تقديم شكوى؟
تؤكد الجهات الحكومية عادة أن أبواب الشكاوى والتحقيقات مفتوحة أمام المواطنين. وهو أمر ضروري لضمان محاسبة أي موظف يثبت تجاوزه.
لكن السؤال الأهم هو: كيف يثبت المواطن شكواه؟
فالشكوى وحدها لا تثبت الواقعة. والتحقيق يحتاج إلى أدلة أو شهادات أو تسجيلات أو مستندات أو أي وسيلة أخرى تساعد جهة التحقيق على الوصول إلى الحقيقة.
ومن هنا، فإن منع التصوير دون توفير آلية بديلة وفعالة للتوثيق قد يضع المواطن في موقف أكثر صعوبة. خصوصًا في الوقائع التي تحدث داخل مكان مغلق ولا يملك فيها أدلة أخرى.
حماية الموظف لا ينبغي أن تعني إلغاء دليل المواطن
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن التصوير داخل المؤسسات الحكومية قد يمس خصوصية موظفين أو مواطنين آخرين. وقد يؤدي إلى تصوير مستندات أو بيانات شخصية. كما يمكن أن يتحول في بعض الحالات إلى وسيلة للضغط أو التشهير بدلًا من تقديم شكوى رسمية.
لكن معالجة هذه المخاطر لا تستلزم بالضرورة إغلاق باب التصوير بصورة مطلقة. إذ يمكن التفكير في ضوابط واضحة للتوثيق توازن بين حماية الخصوصية وحق المواطن في إثبات الواقعة التي يتعرض لها.
ومن بين البدائل الممكنة، وجود كاميرات مراقبة رسمية يمكن الرجوع إليها عند تقديم شكوى. وآلية واضحة لطلب حفظ التسجيلات وعدم محوها، وتوفير قنوات شكاوى موثقة، وإتاحة تسجيل الواقعة للجهة المختصة عند وقوع نزاع. مع ضمان عدم نشر التسجيلات أو تداولها بما ينتهك خصوصية الآخرين.

