"مفيش دخان من غير نار".. نفي الداخلية المتكرر لا يبدد التساؤلات حول أوضاع المعتقلين
أعادت واقعة نفي وزارة الداخلية بشأن تعرض أسر نزلاء للتنمر عند تسليم الأدوية إلى ذويهم، ملف أوضاع السجون ومقار الاحتجاز في مصر إلى دائرة الجدل، بعدما تحوّل الرد الرسمي نفسه إلى مناسبة لإعادة طرح أسئلة أوسع بشأن الشكاوى المتكررة التي تتحدث عن صعوبات تواجه المعتقلين وأسرهم في الحصول على الرعاية الطبية والأدوية.
وقالت وزارة الداخلية إن ما جرى تداوله عبر إحدى الصفحات التابعة لجماعة الإخوان في الخارج بشأن تعرض أهالي نزلاء سجن العقرب للتنمر عند تسليم الأدوية «جملة وتفصيلا» غير صحيح، مؤكدة أن تلك الادعاءات «لا أساس لها من الصحة».
وأشار مصدر أمني إلى أن سجن العقرب هُدم قبل عدة سنوات، معتبرًا أن الحديث عن وجود نزلاء فيه حاليًا يكشف، بحسب رواية الوزارة، عن تعمد نشر معلومات غير صحيحة.
5
هدم «العقرب» لا ينهي الجدل
وبغض النظر عن دقة المنشور محل النفي، فإن الإشارة إلى سجن العقرب تحديدًا تفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل انتهاء العمل بسجن قديم يعني انتهاء الشكاوى المتعلقة بأوضاع الاحتجاز، أم أن الجدل انتقل ببساطة إلى مقار احتجاز أخرى؟
فالحكومة المصرية أعلنت منذ عام 2021 توجهًا لإعادة تنظيم منظومة السجون، ونقل أعداد من النزلاء من السجون القديمة إلى مراكز إصلاح وتأهيل جديدة، وتقول وزارة الداخلية إن المنظومة الجديدة توفر ظروفًا معيشية وخدمات طبية أفضل.
لكن في المقابل، ظلت تقارير حقوقية وشهادات منشورة تتحدث عن أوضاع صعبة داخل أماكن الاحتجاز، وعن مشكلات مرتبطة بالرعاية الصحية وظروف الاحتجاز، وهي اتهامات تنفيها السلطات المصرية أو ترد عليها بالتأكيد أن النزلاء يحصلون على حقوقهم والخدمات اللازمة.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الرواية الرسمية والروايات الحقوقية أو شهادات الأسر غالبًا ما تتحركان في مسارين متوازيين دون آلية مستقلة وشفافة تحسم الخلاف في كل حالة على حدة.
لماذا تتكرر الاتهامات؟
النفي الأخير من وزارة الداخلية ليس الأول من نوعه. كما أن اتهامات سوء المعاملة أو الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز. تظهر بصورة متكررة في تقارير منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية ومحلية.
وهذا لا يعني تلقائيًا صحة كل منشور أو ادعاء يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي. خصوصًا أن البيئة الرقمية أصبحت تسمح بإعادة نشر معلومات قديمة أو غير دقيقة وربطها بأحداث جديدة.
لكن في الوقت نفسه، تكرار الشكاوى من مصادر مختلفة يجعل من الصعب التعامل مع الملف بالكامل باعتباره مجرد شائعات.
فإذا كانت كل واقعة منفردة يمكن أن تخضع للنفي أو التشكيك، فإن تراكم الوقائع والبلاغات والشهادات على مدى سنوات يستحق. من الناحية الحقوقية والإنسانية، تحقيقًا مستقلًا يحدد ما إذا كانت هناك مشكلة منهجية أم أن الأمر يتعلق بحالات فردية.
«مفيش دخان من غير نار».. ولكن؟
هنا يحضر المثل الشعبي المصري الشهير: «مفيش دخان من غير نار».
وهذا تحديدًا ما يجعل قضية السجون مختلفة عن أي شائعة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمعتقل أو السجين موجود داخل مؤسسة مغلقة. ولا يستطيع في كثير من الأحيان الوصول إلى الإعلام أو توثيق ما يتعرض له بنفسه. بينما تعتمد أسرته على الزيارات والمحامين والمراسلات للحصول على المعلومات.



