"كرنفال الإنجازات".. السيسي يستحضر سياسة رومانية قديمة لإلهاء المصريين
في وقت تكشف فيه الدراسات أن الأسرة المصرية تحتاج 32 ألف جنيه شهرياً للعيش بينما الحد الأدنى للأجر لا يغطي ربعها، وجّه عبد الفتاح السيسي الحكومة بتنظيم مؤتمر يمتد لعدة أيام أو أسبوع كامل لعرض إنجازات الدولة، مدعواً الشعب والمفكرين لمتابعته.
قرار يُعيد إلى الأذهان مفهوماً سياسياً قديماً قدم الحضارات أن السلطة حين تعجز عن معالجة مشاكل الناس، تُتقن فن جعلهم يُفكرون في شيء آخر.
ما قاله السيسي.. وما لم يقله
وجّه الرئيس الحكومة بإعداد مؤتمر يضم عروضاً تفصيلية للإنجازات التي حققتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، على أن يمتد لأيام متعددة أو أسبوع كامل، ويُفتح للمشاركة الشعبية والمفكرين والمثقفين.
الفكرة في ظاهرها: شفافية وتواصل مع الشعب. لكن السياق الذي تجيء فيه يطرح أسئلة مختلفة تماماً.
«الخبز والسيرك».. درس روماني لم يمت
في الإمبراطورية الرومانية، ابتكر الحكام مفهوماً بسيطاً وفعّالاً لإدارة الجموع الغاضبة سمّاه المؤرخون لاحقاً: «Panem et Circenses» — الخبز والسيرك.
حين يشتد الفقر وتتفاقم الأوبئة والجهل وتتسع الفجوة بين الأثرياء والمعدمين، يُعلن القياصرة عن موسم ألعاب في المسرح الروماني يمتد لأشهر مصارعون وسباقات عربات وعروض ضخمة تشغل الشعب وتستنزف انتباهه وتحول غضبه من الواقع المرير إلى الإثارة اللحظية.
لم يكن الهدف خداع الشعب تماماً بل صرف طاقته الاحتجاجية نحو فضاء لا يهدد السلطة.

الإنجازات في مواجهة الأرقام
التساؤل المشروع الذي يطرحه إعلان المؤتمر هو: ما الذي سيُعرض فيه؟
مشروعات البنية التحتية موجودة وحقيقية جسور وطرق وعاصمة إدارية ومستشفيات. لكن الأرقام الموازية لها حاضرة أيضاً:
دراسة برلمانية صدرت حديثاً تقول إن المواطن المصري يحتاج 267 جنيهاً يومياً للعيش بمستوى أساسي. ورغيف الخبز خسر نصف وزنه وارتفع سعره 30 ضعفاً في 12 عاماً. والتضخم أكل مدخرات الطبقة الوسطى.
والدروس الخصوصية باتت 62% من الإنفاق التعليمي في ظل تعليم يُقال إنه مجاني.
هذه أيضاً إنجازات لكن بالمقلوب. ومؤتمر يستمر أسبوعاً لن يجعل الكيلو لحم بـ447 جنيهاً أرخص.
الإلهاء الممتد.. الأسبوع الذي لا ينتهي
ما يمنح هذا المؤتمر طابعاً مختلفاً عن المؤتمرات الاعتيادية هو امتداده الزمني أيام متعاقبة أو أسبوع كامل من العروض والأرقام والخطابات والمتحدثين. وهو امتداد يستنزف الحيز الإعلامي ويشغل الفضاء العام بما تريد السلطة طرحه، بدلاً مما يريد المواطن مناقشته.
المفكرون والمثقفون.. أداة أم شهود؟
دعوة «المفكرين والمثقفين» لحضور المؤتمر ليست بريئة من دلالة فهي تمنح الفعالية طابع الشرعية الفكرية، وتجعل من حضور المثقف اعتمادا ضمنياً للرواية الرسمية. وحين يجلس المفكر في المقعد الأمامي ليسمع عروض الإنجازات، يصعب عليه بعدها أن يكون صوتاً نقدياً خارج القاعة.



