مفتي الجمهورية: الأسرة أمام تحديات غير مسبوقة.. والذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد التربية
حذّر الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، من تصاعد التحديات التي تواجه الأسرة المصرية، معتبرًا أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة جعلت حماية الأسرة والحفاظ على تماسكها قضية تتجاوز الإطار التقليدي للفتوى، لتصبح مرتبطة أيضًا بالتربية والوعي الرقمي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وقال عياد، خلال افتتاح المؤتمر الدولي السنوي للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، إن الدولة المصرية أدركت مبكرًا خطورة التحديات التي تواجه الأسرة، واتخذت إجراءات تستهدف تعزيز استقرارها، من بينها التوجه إلى صياغة قوانين الأحوال الشخصية بصورة أكثر توازنًا، وإنشاء صندوق دعم الأسرة، ودعم الأبناء بعد الانفصال، وتسريع تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقات، إلى جانب برامج لتأهيل المقبلين على الزواج.
من مشكلات الأسرة التقليدية إلى تحديات العصر الرقمي
يرى مفتي الجمهورية أن طبيعة التحديات التي تواجه الأسرة تغيرت بصورة كبيرة. ففي السابق، كانت الفتوى تتعامل في الغالب مع مشكلات فردية محددة، بينما أصبحت اليوم أمام تحولات فكرية وقيمية واسعة تؤثر في طريقة تفكير الأفراد وفي شكل العلاقات داخل الأسرة.
وأشار إلى ما وصفه بـ«السيولة الفكرية»، معتبرًا أنها تمس بعض الثوابت المرتبطة بالفطرة الإنسانية، في وقت أسهم فيه الانفتاح الرقمي في نقل أفكار وأنماط سلوكية وقيمية مختلفة إلى داخل المجتمع والأسرة.
وهنا لم تعد الأسرة المصدر الوحيد لتكوين وعي الأبناء؛ إذ أصبحت الهواتف والمنصات الرقمية ومحركات البحث والخوارزميات جزءًا يوميًا من حياة الأطفال والشباب، وهو ما يفرض تحديًا جديدًا على الآباء والأمهات في كيفية توجيه أبنائهم ومراقبة ما يتعرضون له دون تحويل العلاقة الأسرية إلى رقابة مستمرة.
الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الأسرة
من أبرز النقاط التي توقف عندها مفتي الجمهورية تأثير الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في تشكيل وعي الأجيال.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية تستخدم في العمل أو الدراسة، وإنما أصبح قادرًا على تقديم إجابات ومعلومات ونصائح وتوصيات للمستخدمين، وهو ما يفتح الباب أمام انتقال جزء من الدور الذي كان يؤديه الوالدان أو المدرسة أو المؤسسات المجتمعية إلى منصات رقمية لا يعرف الأبناء بالضرورة مصادرها أو أهدافها.
وحذّر عياد من أن انتقال جانب من المرجعية التربوية من الوالدين إلى المنصات والخوارزميات يمكن أن يؤثر في منظومة القيم لدى الأبناء ويضعف ارتباطهم بهويتهم الدينية والثقافية.
وتزداد خطورة الأمر، بحسب رؤيته، مع ما وصفه بـ«السيولة المعرفية»، التي تجعل الحدود بين الحقيقة والزيف والعلم والوهم أكثر ضبابية، بحيث لا يكون المحتوى الأكثر دقة بالضرورة هو الأكثر انتشارًا وتأثيرًا.
«الدارك ويب».. الوجه الأكثر خفاءً للمشكلة
ولا تتوقف المخاوف عند المنصات المفتوحة، إذ أشار مفتي الجمهورية إلى فضاءات أكثر خفاءً مثل «الدارك ويب»، محذرًا من محتويات وممارسات يمكن أن تهدد أمن الأسرة وتؤثر في الأبناء بعيدًا عن الرقابة المجتمعية التقليدية.
وهذا التطور يفرض على الأسرة المصرية تحديًا مختلفًا عن التحديات السابقة. فالمحتوى الذي يتعرض له الأبناء لم يعد محصورًا في البيئة المحيطة بهم أو في وسائل الإعلام التقليدية. وإنما أصبح بإمكانهم الوصول إلى كم هائل من المعلومات والمحتويات خلال ثوانٍ.
ومن هنا، فإن حماية الأبناء لم تعد تعني المنع وحده. وإنما تتطلب بناء قدرة لديهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة. وفهم مخاطر المحتوى الرقمي، واللجوء إلى الأسرة والمختصين عند مواجهة مشكلات أو أفكار يصعب عليهم التعامل معها.
الزواج تحت ضغط الاقتصاد والمظاهر
لكن التحديات التي تواجه الأسرة لا تأتي جميعها من التكنولوجيا.
فقد أشار عياد إلى ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة في المظاهر. إلى جانب ما وصفه بـ«تسليع العلاقات» واختزال العلاقة الزوجية في منطق الربح والخسارة.
وتكشف هذه النقطة أن أزمة تكوين الأسرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة دينية أو أخلاقية فقط. فالقدرة الاقتصادية على الزواج والاستمرار فيه تمثل عاملًا مؤثرًا في استقرار الأسرة.



