اقتصاد

من العدادات الكودية لسوق العقارات.. هل تُدار الأزمات بانتظار "توجيهات السيسي"؟

تكرار عبارة «بتوجيهات الرئيس» يفتح سؤالاً أكبر: هل تعكس مركزية القرار سرعة التدخل.. أم أن بعض الملفات تُترك حتى تتضخم ثم يأتي الحل من أعلى؟

في مصر، لا تبدأ كثير من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين مع صدور قرار حكومي جديد، وإنما تصل إلى نقطة أكثر تعقيداً بعد سنوات من الشكاوى والتأجيل والإجراءات المتغيرة، ثم يظهر الحل في لحظة مرتبطة بتوجيه مباشر من عبد الفتاح السيسي.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بما إذا كان الرئيس يتدخل لحل المشكلات، وإنما بسؤال أكثر حساسية: لماذا تحتاج بعض الملفات التي تقع أصلاً في صميم عمل الحكومة والوزارات إلى تدخل رئاسي حتى تتحرك بالسرعة المطلوبة؟

وهل أصبح التدخل الرئاسي نفسه جزءاً من طريقة إدارة الأزمة وإنتاج صورة "الرئيس المنقذ"؟

لا توجد أدلة علنية كافية لإثبات أن الحكومة تتعمد ترك الملفات دون حل لهذا الغرض، ومن ثم لا يمكن الجزم بوجود خطة مقصودة لصناعة هذا الانطباع.

لكن تكرار النمط في ملفات مختلفة، وتكرار صياغة "توجيهات الرئيس" في البيانات الرسمية، يستحقان الفحص باعتبارهما ظاهرة سياسية وإدارية وإعلامية.

أحدث مثال.. السوق العقارية

في 2 سبتمبر 2026، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعاً لمتابعة إجراءات ضبط وتنظيم السوق العقارية، وقال إن الاجتماع يأتي تنفيذاً لتكليفات عبد الفتاح السيسي.

المهام التي طُرحت في الاجتماع ليست هامشية: احترام العقود المبرمة مع المواطنين، منع التأخير في تسليم الوحدات، إلزام المطورين بالتزاماتهم، حصر المشروعات المتعثرة، تحديد أسباب التعثر والمسؤولية عنه، ووضع آليات للتعامل مع الحالات المتعثرة.

ثم جرى الحديث عن مشروع قانون لإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، باعتباره إطاراً قانونياً لتنظيم السوق وتحقيق قدر أكبر من الحوكمة وحماية حقوق أطرافها.

لكن السؤال الذي يهم المواطن ليس فقط: ماذا قررت الحكومة؟

بل: لماذا وصل الأمر إلى هذه المرحلة أصلاً؟

إذا كان التأخر في التسليم وتعثر المشروعات ومشكلات التعاقدات تحتاج إلى حصر ورقابة وتشريع، فهذه ليست مشكلات طارئة ظهرت في صباح 2 سبتمبر.

وهي تحديداً الملفات التي يفترض أن تمتلك أجهزة الدولة آليات رقابية مستمرة لمنع تفاقمها قبل أن تتحول إلى أزمة تستدعي تدخلاً رئاسياً.

واللافت أن البيان الحكومي نفسه يقول إن الجهات الرقابية طلبت حصر المشروعات المتعثرة، وإن الحصر كان لا يزال جارياً، بينما تؤكد الحكومة في الوقت ذاته أن الحالات المتعثرة محدودة مقارنة بحجم القطاع.

هنا تظهر المفارقة: إذا كانت الحالات محدودة، فلماذا يحتاج ضبطها إلى تكليف رئاسي؟ وإذا كانت المشكلة كبيرة بما يكفي لتحتاج تدخلاً رئاسياً، فهل كانت الرقابة الحكومية السابقة كافية؟

النمط نفسه ظهر في «الإيجار القديم»

ملف الإيجار القديم يقدم مثالاً أكثر وضوحاً، لأنه لم يكن أزمة مستجدة.

القوانين المنظمة للعلاقة بين المالك والمستأجر تعود إلى عقود طويلة، وظل الملف سياسياً واجتماعياً شديد الحساسية، إلى أن دخلت المحكمة الدستورية والحكومة والبرلمان والرئاسة في مسار انتهى إلى قانون جديد في 2025.

وخلال مناقشة الملف، أعلن رئيس الوزراء أن الحكومة فتحت القضية في ضوء حكم المحكمة الدستورية، ثم تحدث عن توجيهات الرئيس بضرورة مراعاة البعد الاجتماعي والتوازن بين حقوق الملاك والمستأجرين.

وفي أغسطس 2025، بدأت الحكومة إجراءات حصر المناطق التي تخضع للقانون، وتصنيفها إلى مناطق متميزة ومتوسطة واقتصادية، لتحديد القيم الإيجارية خلال الفترة الانتقالية.

والأهم أن الحكومة أعلنت لاحقاً برامج للسكن البديل، بما في ذلك إعداد وحدات للإيجار، وهو ما ارتبط أيضاً بتوجيهات رئاسية.

السؤال النقدي هنا ليس: هل تدخل الرئيس كان إيجابياً؟

قد يكون كذلك بالفعل بالنسبة إلى فئات من المواطنين.

السؤال هو. لماذا احتاج ملف عمره عشرات السنين إلى أن يصل إلى هذه الدرجة من التعقيد قبل الوصول إلى حل سياسي وتشريعي؟

وهل كان بالإمكان أن تبدأ الدولة منذ سنوات في إعداد قواعد بيانات دقيقة للملاك والمستأجرين والمناطق والقيم الإيجارية. بدلاً من التحرك بقوة عندما أصبح الملف أزمة سياسية واجتماعية مكتملة؟

العدادات الكودية.. مشكلة إدارية تحولت إلى «انفراجة»

ملف العدادات الكودية يقدم نموذجاً مختلفاً لكنه أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية.

وزارة الكهرباء قالت في مارس 2026. إن منصة خدمات الكهرباء تلقت نحو 1.6 مليون طلب لتركيب عداد كودي خلال عام 2025. فيما بلغ إجمالي الشكاوى والطلبات التي استقبلتها منظومة خدمات المواطنين في الوزارة نحو 3.5 مليون طلب وشكوى خلال العام نفسه.

وفي يوليو 2026، أعلن وزير الكهرباء إجراءات جديدة لتخفيف أعباء أصحاب العدادات الكودية. من بينها التحول إلى نظام الشرائح لمن استكمل إجراءات التصالح أو توفيق الأوضاع، إضافة إلى التعامل مع بعض المباني القديمة.

اقرأ أيضا

وزير العمل يحتفي بتراجع معدل البطالة في عهد السيسي.. والخبراء يتساءلون: أين ذلك؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى