عربي ودولي

من شراء السلاح إلى تصديره.. التعاون الدفاعي المصري التركي يدخل مرحلة جديدة

يتجه التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا نحو أبعاد جديدة، بالانتقال من مرحلة التصنيع المشترك إلى التصدير المشترك نحو أسواق ثالثة، في شراكة تتوسع وسط تعاون استراتيجي متنامٍ بين البلدين وتوترات متصاعدة في المنطقة.

ويأتي هذا التطور بعد ثاني محادثة وزارية بين القاهرة وأنقرة خلال أيام قليلة فقط، في مؤشر على وتيرة تنسيق متسارعة بين الجانبين.

شركة "ظفر" في القاهرة.. من الإنتاج إلى الأسواق الأفريقية والخليجية

كشف المدير العام لمؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية (MKE)، إلهامي كليش، على هامش مشاركة المؤسسة في معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026 (8-10 سبتمبر)، عن تأسيس شركة جديدة في القاهرة تحمل اسم "ظفر"، مملوكة بالكامل للمؤسسة التركية وتعمل وفق التشريع المصري.

وأوضح كليش أن الهدف من الشركة هو دعم الأنشطة التجارية للمؤسسة في مصر، وكذلك في أسواق أفريقيا ومنطقة الخليج، مؤكداً إبرام عقد مع وزارة الإنتاج الحربي المصرية بشأن الإنتاج المشترك للمواد الطاقية والمتفجرات ومختلف معدات الذخائر.

وفي إطار متصل، وقّع الجانبان في 3 سبتمبر الجاري مذكرة تفاهم للتعاون في الإنتاج المشترك وتطوير المنتجات الدفاعية، مع تركيز خاص على مجال المتفجرات، بحضور نائب وزير الدفاع الوطني التركي صالح أيهان ووزير الدولة للإنتاج الحربي المصري اللواء صلاح سليمان جمبلاط، لتكون بذلك أول اتفاقية دفاعية تُبرم على هامش معرض العلمين هذا العام.

منظومة "تولغا".. من التوريد إلى التصنيع والتصدير المشترك

أشار كليش إلى تزايد الاهتمام بنظام الدفاع الجوي التركي قصير المدى "تولغا"، الذي تُنتجه MKE ويجمع بين رادارات وأنظمة قيادة وسيطرة وحرب إلكترونية ووسائل اعتراض مادي، وذلك في ظل تعدد أنواع التهديدات غير المتكافئة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة. وكانت الشركة التركية قد وقّعت في فبراير 2026 عقداً مع مصر بقيمة تقارب 130 مليون دولار لتوريد المنظومة، تلاه ما وصفه كليش بـ"عملية بيع رمزية" لإدخال "تولغا" إلى مخزون القوات المسلحة المصرية.

لكن الطموح الحالي يتجاوز ذلك، إذ تعمل الشركتان على إنشاء بنية تحتية مشتركة في مصر لتسويق المنظومة ليس لمصر فقط، بل في السوق الأفريقية بأكملها ومنطقة الخليج.

كما تحدث كليش عن مشروع مشترك لإنتاج مركبات عسكرية يدمج القدرة التصنيعية المصرية القائمة مع الأنظمة والمعدات التركية.

سياق متسارع من التقارب العسكري

يأتي هذا التطور استكمالاً لمسار تقارب عسكري متصاعد بدأ يتشكل منذ 2023 عقب تفاهمات أنهت قطيعة سياسية استمرت أكثر من 12 عاماً بين البلدين.

فقبل شهرين فقط، أجرى وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر أول زيارة من نوعها إلى تركيا في يوليو الماضي، بينما زار رئيس أركان الجيش المصري أحمد خليفة تركيا في مايو، والتقى نظيره التركي متين غوراك لبحث تطوير التعاون العسكري في مجالات التدريب وتبادل الخبرات، إلى جانب استئناف التدريبات المشتركة "بحر الصداقة".

وفي فبراير الماضي، وقّع البلدان "اتفاقية تعاون عسكري" في القاهرة بحضور الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب إردوغان، بعدما كانا قد وقّعا في أغسطس 2025 اتفاقاً للتصنيع المشترك لطائرات مسيّرة ذات إقلاع وهبوط عمودي.

تنسيق وزاري متكرر خلال أيام

على المستوى الدبلوماسي، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن وزير الخارجية بدر عبد العاطي بحث هاتفياً مع نظيره التركي هاكان فيدان آفاق تطوير الشراكة بين البلدين خلال المرحلة المقبلة، وضرورة مواصلة الإعداد للاجتماع المقبل لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى المزمع عقده في تركيا، وذلك بعد أقل من أسبوع من اتصال هاتفي سابق بين الوزيرين في 7 سبتمبر أكدا خلاله الحرص على البناء على الزخم المتنامي في العلاقات الثنائية.

قراءة الخبراء: من الشراء إلى التصنيع والتصدير

يرى المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، الخبير العسكري عادل العمدة. أن اللافت في هذه الشراكة هو أنها لم تعد مقتصرة على شراء السلاح. بل باتت تتجه إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا والتدريب والتصدير.

ويعزو العمدة أهمية هذه الشراكة إلى امتلاك مصر قاعدة صناعية دفاعية وبنية إنتاجية. وسوقاً واسعة وموقعاً جغرافياً يتيح التصدير إلى أفريقيا والمنطقة. مقابل امتلاك تركيا خبرة متقدمة ومتنامية في المسيّرات والإلكترونيات والأنظمة البرية والبحرية.

ويتوقع العمدة أن يكون التعاون الدفاعي أحد أبرز ملفات مجلس التعاون الاستراتيجي المصري التركي خلال المرحلة المقبلة. على مسارات تشمل التصنيع المشترك للمسيّرات. والمناورات المشتركة، والتعاون البحري والجوي، والتسويق والتصدير المشترك للأسواق الأفريقية والعربية.

مخاوف إسرائيلية متصاعدة

لا يزال هذا التقارب العسكري المصري التركي المتنامي محل قلق ومخاوف إسرائيلية عبّرت عنها وسائل إعلام عبرية في الفترة الأخيرة.

وفي هذا السياق، ينبّه العمدة إلى أن ما يحدث بين البلدين حتى الآن هو تعزيز للقدرات الذاتية وتنويع للشراكات الدفاعية. وليس تشكيل حلف عسكري ضد طرف ثالث، وإن كانت إسرائيل تنظر إلى المسألة "من زاوية مختلفة فيها قلق أكثر".

ويتوقع العمدة أن تتعامل القاهرة وأنقرة مع هذه المخاوف بالاستمرار في الشراكة. على أساس حق كل دولة في تنويع مصادر تسليحها وتطوير صناعتها الدفاعية. خاصة أن مصر تتبنى سياسة تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد.

ويرجّح المحلل التركي عودة أوغلو أن يتعامل البلدان مع القلق الإسرائيلي بمنطق "الردع لا المواجهة". عبر مواصلة تطوير التعاون الدفاعي لحماية المصالح والأمن القومي لكل منهما.

اقرأ أيضا

تعاون دفاعي مصري - تركي يتوسع باتفاق جديد للتصنيع العسكري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى