من معارضة مرسي إلى معارضة محدودة التأثير.. أين الحركة المدنية اليوم؟
أعلنت الحركة المدنية الديمقراطية، أكبر تحالف معارض في مصر، عن إعادة هيكلة تنظيمية شاملة وقيادة تنفيذية جديدة، في محاولة لإنعاش حضورها السياسي بعد سنوات من التراجع والانتقادات المتصاعدة.
وأكدت الحركة، في بيانها، تمسكها بثوابتها المتعلقة بالدولة المدنية الديمقراطية، واحترام الدستور وسيادة القانون، ومناهضة "ظاهرة الصوت الواحد"، والمطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي.
ماذا تغيّر في هيكل الحركة؟
بموجب القرارات الجديدة، ألغت الحركة مجلس الأمناء الذي كان يمثل الهيئة العليا لها، واختارت المهندس أكرم إسماعيل منسقاً عاماً لها، مع تشكيل "لجنة تنفيذية" ضمت صلاح عدلي وسيد الطوخي وخالد تليمة وحمدي قشطة وأحمد كامل، على أن تستمر المناقشات لاستكمال تشكيلها بما يعبر عن كافة مكونات الحركة الحالية والمستقبلية.
كما أنشأت "أمانة عامة" بديلة عن مجلس الأمناء تضم ممثلين للأحزاب والشخصيات العامة، وقبلت رسمياً تجميد نشاط الأحزاب التي أعلنت تجميد نفسها سابقاً، لتصبح غير ممثلة داخل الحركة.
وشددت الحركة على انفتاحها لانضمام فاعلين سياسيين جدد من خارجها، خاصة القوى الشابة والشخصيات ذات المسيرة النضالية، ووصفت طريقها للإصلاح بأنه يقوم على "اعتراف صادق بالخطأ" و"آليات واضحة للإصلاح" و"قيادة متجددة".
من أين جاء هذا التحرك؟ أزمات متراكمة داخل الحركة
لا تأتي إعادة الهيكلة هذه من فراغ، بل تتويجاً لسلسلة أزمات داخلية متلاحقة عصفت بالحركة خلال الأشهر الماضية، أبرزها أزمة عُرفت إعلامياً بـ"قصر قرطام"، حين أصدرت الحركة بياناً دافعت فيه عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر شيّده على نهر النيل بالمخالفة للقوانين، قبل أن يتبيّن أن البيان صدر دون توافق واضح بين مكونات الحركة، ما فجّر تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار داخلها وقدرتها على الفصل بين الشأن العام والمصالح الشخصية لقياداتها.
أعقب ذلك انسحاب رسمي لحزب العدل من التحالف، بعدما كان قد جمّد نشاطه فيه منذ انتخابات الرئاسة عام 2023، مبرراً قراره بأن الحركة "لم تعد منصة فاعلة للتنسيق والعمل العام ولا قادرة على التعبير عن دور سياسي مؤثر في اللحظة الراهنة".
كما لا يزال موقف عدد من الأحزاب الأخرى، من بينها المصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية وحزب المحافظين، معلقاً أو غير محسوم بشأن استمرارها داخل التحالف.
في المقابل، يرى بعض القياديين داخل الحركة، ومنهم منسقها العام الجديد أكرم إسماعيل، أن استمرار الحركة يمثل في حد ذاته "راية مرفوعة" رافضة لما وصفه بـ"هندسة النظام الكاملة للحياة السياسية"، حتى لو كان هامش الحركة المتاح لها محدوداً بما يسمح به النظام نفسه.
من معارضة مرسي إلى معارضة النظام الحالي.. مسار متغير
تعود جذور الحركة المدنية إلى تحالفات معارضة سابقة شارك بعض مكوناتها في حراك المعارضة لحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، الذي انتهى بتظاهرات 30 يونيو 2013 وتدخل الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي، وهو ما وصفته قوى مدنية وليبرالية واسعة، من بينها أطراف شكّلت لاحقاً نواة الحركة المدنية، بأنه تصحيح لمسار ثوري شعبي رفضاً لحكم استأثرت به جماعة الإخوان المسلمين، بينما تصفه جماعة الإخوان وأنصارها، حتى اليوم، بأنه "انقلاب عسكري" على رئيس منتخب.
وقد شكّلت هذه المفارقة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ هذه القوى المدنية، إذ يحمّلها منتقدون. خاصة من التيار الإسلامي، مسؤولية المساهمة في مسار أدى لاحقاً إلى تضييق واسع على المجال السياسي والحقوقي. طال في مراحل لاحقة بعض مكونات الحركة المدنية نفسها ونشطاءها وسجناء رأي ترفع الحركة اليوم مطلب الإفراج عنهم.
أين موقع الحركة اليوم من المعارضة الفعلية؟
على الرغم من كونها أكبر تجمع معارض رسمي معلن في مصر حالياً. تحظى الحركة المدنية بتأثير محدود على مسار القرار السياسي الفعلي، في ظل مساحة سياسية مقيدة بشدة لا تتيح. بحسب وصف بعض قياديي الحركة أنفسهم، سوى "خطاب معارض" يُمارَس من خلال "شباك يفتحه النظام" لا أكثر.
ويشكك محللون سياسيون، من بينهم نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو هاشم ربيع. في قدرة إعادة الهيكلة الحالية على إحداث تغيير جوهري. معتبراً أن بقاء الوجوه القيادية نفسها يعني على الأرجح "إعادة إنتاج الأفكار نفسها". وأن إعادة الهيكلة التنظيمية وحدها "لن تكفي" لإحياء دور الحركة.
وتعكس الانسحابات المتكررة لأحزاب من التحالف. والخلافات الداخلية التي وصلت إلى حد التراشق العلني بين بعض القيادات. حالة تفكك بنيوي متزايد تضعف قدرة الحركة على التصرف كصوت معارض موحّد. فيما لا تزال أصوات داخل الحركة نفسها تطالب بتجميد نشاطها بالكامل بسبب ما تراه تراجعاً غير قابل للإصلاح في دورها خلال السنوات الأخيرة.
قضايا أوسع تتبناها الحركة
إلى جانب الملف الداخلي، حاولت الحركة في بيانها الأخير تأكيد حضورها في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي. معلنة رفضها لأي تعديل دستوري جديد. ومطالبة بتطبيق كامل بنود الدستور فيما يخص حقوق التعليم والصحة. إلى جانب مواقف تتعلق بمواجهة "سياسات الإبادة" التي تمارسها إسرائيل. ومتابعة الوضع في السودان، وأزمة سد النهضة الإثيوبي، وتداعيات التصعيد الأمريكي مع إيران على أمن المنطقة.



