الإعلان عن زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للقاهرة جاء قبل ساعات فقط من موعدها، وهو ما يكسر النمط المعتاد لزياراته السابقة إلى مصر -والتي تجاوزت أربع زيارات رسمية منذ توليه ولاية العهد عام 2017، معظمها كان مرتبا ومعلنا مسبقا كزيارات ثنائية روتينية.
هذه المرة تختلف تفصيلة التوقيت والسرعة، إذ تأتي الزيارة الخامسة في لحظة ضغط مزدوج غير مسبوق على المملكة: هجمات حوثية متصاعدة تطال منشآت ومدنا سعودية مباشرة، وتعطل خط الأنابيب البري الوحيد البديل عن مضيق هرمز.
فماذا يمكن أن تقدمه القاهرة فعليا في مواجهة أزمة لا تملك فيها أدوات عسكرية مباشرة؟
مصر ليست طرفا عسكريا
يكمن جوهر ما يمكن أن تقدمه مصر في أنها، خلافا للسعودية التي تواجه الحوثيين مباشرة كطرف نزاع، تملك قناة اتصال مفتوحة مع طهران نفسها.
فقبل يومين فقط من الزيارة، وعلى هامش قمة بريكس في نيودلهي، التقى الرئيس السيسي نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، داعيا إياه صراحة لبذل الجهود لوقف التصعيد والتوصل لحل سياسي شامل، ومشددا على ضرورة وقف أي اعتداءات على الدول العربية.
هذا اللقاء، الذي جاء قبل زيارة بن سلمان بيومين فقط، ليس مصادفة توقيت في تقدير الزيات، بل جزء من حسابات مصرية سعودية مشتركة تدرك أن إيران هي الطرف الأقدر فعليا على التأثير في قرارات الحوثيين، لا أي وسيط آخر في المنطقة.
حدود الدور المصري
رغم أهمية هذه القناة، يبقى الدور المصري محدودا بطبيعته: فمصر ليست طرفا في الحرب اليمنية، ولا تملك أدوات ضغط عسكرية أو اقتصادية مباشرة على الحوثيين أنفسهم، وكل ما تملكه هو قدرة على "التأثير عبر التأثير"، أي محاولة إقناع طهران بالضغط على وكيلها، وسط شكوك سعودية معلنة بوجود دعم إيراني مباشر للحوثيين تنفيه طهران رسميا.
وحتى لو نجحت هذه القناة في تخفيف حدة الهجمات، فإنها تعتمد بالكامل على حسن نية ومصلحة إيرانية متغيرة، لا على التزام ملزم يمكن لمصر أو السعودية ضمانه بشكل مستقل.
المصلحة المشتركة الحقيقية
يوضح التقرير أن مصر ليست معنية بأمن السعودية فقط من باب التضامن العربي، بل من زاوية مصلحة استراتيجية مباشرة: فباب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي مباشرة لقناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري من العملة الصعبة.
وبعد سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزيرتي حنيش الكبرى والصغرى وجزيرة ميون، بحسب ما ذكرته صحيفة الجارديان، باتت قدرتهم على التأثير في واحد من أهم طرق الملاحة العالمية تتعزز فعليا، وهو ما يجعل مصر شريكا يمتلك دافعا ذاتيا قويا لاحتواء الأزمة، لا مجرد طرف يقدم الدعم لجارة عربية من باب المجاملة الدبلوماسية.
واشنطن تتفرج
يتضح من التقرير أن الخيار العسكري الأمريكي غير متاح حاليا رغم طلب بن سلمان المباشر والمتكرر من ترامب. (مرتين خلال يوم واحد بحسب CNN) توجيه ضربات للحوثيين، إذ اكتفت واشنطن بتقديم دعم استخباراتي محدود دون تدخل مباشر. وأكد ترامب نفسه أن الحوثيين تواصلوا معه وأبدوا رغبتهم في تجنب أي تدخل أمريكي.
هذا الفراغ الأمريكي تحديدا هو ما يرفع من قيمة أي دور إقليمي بديل. ويجعل التنسيق المصري السعودي، رغم محدودية أدواته العسكرية، أحد المسارات القليلة المتاحة لمحاولة احتواء التصعيد. بالتوازي مع أدوار محتملة أخرى لدول كسلطنة عُمان ودول خليجية أخرى ذات علاقات متعددة الأطراف.
زيارة غير معلنة مسبقا
بمقارنة الزيارة الحالية بالزيارات السابقة الموثقة (مارس 2018، نوفمبر 2018، يونيو 2022، أكتوبر 2024). والتي جاءت جميعها في سياق علاقات ثنائية روتينية معلنة مسبقا ومصحوبة ببرامج زيارة مفصلة، يبرز الفارق الجوهري في الزيارة الحالية. الإعلان عنها قبل ساعات فقط من وصول بن سلمان، دون الترتيبات البروتوكولية المعتادة لزيارة رسمية لولي عهد.
هذا النمط غير المعتاد من السرعة والمباغتة، لا "ندرة الزيارات" في حد ذاتها (فالزيارات بين البلدين متكررة نسبيا أصلا). هو المؤشر الحقيقي على الطابع الاستثنائي لهذه الزيارة تحديدا. ويعكس حاجة ملحة لتنسيق عاجل تفرضه سرعة تطورات الميدان في اليمن والبحر الأحمر، لا جدول أعمال دبلوماسي طويل الأمد كسابقاتها.
